يناير 112013
 
haj_babikir_dakin

الحاج بابكر عبد القادر دكين من قيادات المزارعين بالمنطقة أول ممثل لقرية وادي شعير في إتحاد المزارعين وهو أول عضو برلماني فاز بهذه الدائرة ، ولد عام 1916 م بمنطقة ود راوة ثم انتقل إلى وادي شعير، دخل إتحاد المزارعين كأول ممثل للدائرة عام 1953 وفي عام 1956 شغل منصب أمين خزينة إتحاد المزارعين ، استقر في طابت عام 1955 وفي عام 1958 انتخب كأول ممثل للدائرة في البرلمان ، وظل يعمل في العمل السياسي والإجتماعي ، إلى أن توفي بتاريخ 31/12/1996م له الرحمة والمغفرة بقدر ما قدم لوطنه

الرجاء متابعة تحرير هذه الصفحة

أو المساهمة بالمعلومات المتوفرة لديك

على العنوان التالي

tabatpeople (at) gmail (dot) com

 

608 زيارة
ديسمبر 242012
 

mutasim_srorقال أحد أصدقاء معتصم لما سمع نعيه : “لا أصدّق أن معتصماً قد مات … هل أنتم متأكدون أن هذه ليست مزحة؟”.

اتصلت بصديقنا المشترك الفرزدق خلف الله القريش فى الدوحة بقطر أعزيه فى معتصم وفوجئت بأنه يسمع الخبر لأول مرة فظلّ يهلل ويحوقل فى تأثر عميق ثم قال بعد مدة: معتصم مات؟ مالو؟

فلا أحد يريد أن يصدق أن معتصماً قد مضى فهو فى نظر أصدقائه منسوب إلى الحياة لا للموت، وهو كما قال أحد الشعراء من أصدقائه:

كمثل النسيم العليل وكالبرء للعلة الكامنة

فأنت لا تراه إلا وهو يحكى فى مهنية عالية وتمكن لطرفة من الطرائف أو يستمع فى درامية صامتة شيقة لمتكلم أو يعلق تعليقاً يوسع ويعمق ويجمل ما سمعه من محدثه.

وحينما يقرأ شعره يقرأه بطريقة تجعلك متجاذبا بين التعلق بالشعر أو التعلق بالأداء!

ولأنه متخصص تخصصاً علمياً فى الكيمياء أثرت تلك الدراسة فى أن يكون مرتب الذهن محسوب الخطوات والكلمات.

وهو حفيد الشيخ عبدالمحمود نورالدائم ووالده الشيخ محمد سرور الشيخ السمانى من أكبر شعراء السمانية إن لم يكن من أكبر شعراء السودان … ومع ذلك لم يقل معتصم طول حياته إنه ابن شيخ ولم يكن ذلك الأمر يشغله بل كان يكسب من عمل يده وتعرض لكل ما يتعرض له الناس من ظلم أرباب العمل فى السودان كما تعرض لتسيِّد الكفلاء فى السعودية فكان يدخل فى الوظيفة ويخرج منها وينجح هنا ويفشل هناك ويغترب ويمشى فى مناكب الأرض ويأكل من رزق الله ولكنه لم يأكل باسم أسرته الكبيرة أبداً وكان يبدوراضياً يبتسم للحياة فى فهم وفلسفة .

هو من أهم شعراء طابت الشباب فلا يذكر ابن أخيه وصديقه الأستاذ محى الدين الفاتح(الشاعر والناقد والإعلامى المعروف)ولا يذكر الأستاذ أزهرى أبوشام والأستاذعبدالباسط عبدالعزيز والأساتذة على سعيد وعصام عبدالباسط ومحمود الجيلى صلاح الدين(مقدم البرنامج الشهير ريحة البن فى قناة النيل الأزرق)، ولا يذكر الشهيد الطيار عوض بلال إلا ويذكر معتصم معهم.وقد كان إلى ذلك أول شبابه مولعاً بالحسن يتبعه وليس له منه إلا لذة النظر كما قال عمر بن أبى ربيعة.

وكان معتصم إلى جانب الموضوعات الشعرية الأخرى يهتم بموضوعين شعريين أساسيين هما : الاشادة بطابت والانحياز لأهل الريف المساكين حتى إنه سئل مرة(هل أنت شيوعى؟) فقال ضاحكاً كعادته: “نحن أولى بالانحياز للمساكين من الشيوعيين”

ويعترف أعضاء هذه المدرسة بأن أجمل ما قيل فى حب طابت ثلاث قصائد : حنينى العشته فى طابت للأستاذ عبد الباسط عبد العزيز، وهى مغناة ومعروفة وقصيدة معتصم(تلوح للمسافر قبتاها) التى شطرها معه محى الدين الفاتح وقصيدة أزهرى أبوشام:

أنا الطولت من طابت

أنا البومة استحق أم كف

معتصم طيبى وحجاجى وزمراوي وله وشيجة بناس فاقة فلا غرو أن يكون فصيحاً وشاعراً وواثقاً بنفسه وحاذقاً كيساً شجاعاً، ولأنه كان مطمئناً لقاعدته الاجتماعية كان (مستريحاً) كما يقول المثل …

موت معتصم كبعض الميتات الأخيرة فى طابت أصابنى بفقد خاص جعلنى امسك بمقبض باب الحياة وأبكى طويلاً .

ولم تخيب طابت ظن معتصم لما قال : تلوح للمسافر قبتاها فقد لوحت قبتا طابت له مودعة بينما ضمته قبة ثالثة هى قبة والده فى أحد أضرحتها تحقيقاً لقوله تعالى :(أَلم نجعَلِ الأَرضَ كِفَاتاً * أَحيَآءً وَأَمواتاً).

2,609 زيارة
يونيو 042012
 

الأستاذ الشيخ الجيلي محمد أحمد يعقوب
رجل وهب نفسه للعلم

كان مولده في طابت عام 1939…في السادسة من عمره تقريبا دخل (الخلوة) التابعه لمسجد الشيخ عبد المحمود الشيخ نور الدائم لتحفيظ القرآن الكريم ..حفظ فيها القرآن الكريم كاملا ..ولأن الدراسه في الخلوه كانت غير منتظمة بسبب تبدل المشايخ فيها فقد قضى فيها بضع سنين .وفي عام 1953دخل (معهد طابت العلمي المتوسط) وكان هو ومجموعه من زملائه أول دفعة نظامية في هذا المعهد, وإن كانت الدراسة فيه قد بدأت قبل ذلك بسنين , لكنها كانت غير منتظمة وكانت الدراسة في داخل المسجد , مسجد الشيخ عبد المحمود .. وأول شيخ لهذا المعهد كان الشيخ محمد أحمد محمد علي البشير (أبوسبيب) من ود راوه وكان اسمه الوظيفي (شيخ معهد طابت) وبدأت أول حصة في 9/9/1953.. ومن الأساتذة الذين درَّسوا فيه الشيخ هاشم الشيخ عبد المحمود , والشيخ عبد المحمود الشيخ الجيلي (الحفيان) عليهم رحمة الله ورضوانه ودرسوا على الشيخ هاشم القواعد والأدب ومنها (الأجروميه والأزهرية وقطر الندى في النحو) و (الرسالة في الفقه المالكي)ودرسوا على الشيخ عبد المحمود الشيخ الجيلي كتاب (الصفتي) في الفقه وملخص سيرة إبن هشام في السيرة النبوية والتوحيد في كتاب (حاشية العقباوي ثم الخريده البهيه للشيخ الدرديري) ومن الطلاب الذين شكلوا الدفعة الأولى لمعهد طابت العلمي (الطيب الشيخ السماني , عبد الباقي الطيب النَّـور , عبد المحمود الشيخ أحمد الطيب , بشير الحسن عبد الرحمن ..وغيرهم)

استمر في معهد طـابت العلمي حتى العام 1956 حيث أكمل فيه ثلاث سنوات دراسية ثم أكمل السنة الدراسية الرابعة في معهد عبد الجليل العلمي قرب المسلمية . المرحلة الثانوية درسها في معهد بورتسودان الثانوي العلمي في الفترة (1957/1961)

في عام 1961 دخل الجامعة الإسلامية في أمدرمان ودرس فيها ثلاثة أشهر فقط في العام الدراسي الأول , ثم ذهب في بعثه إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وتخرج منها في عام 1965 وفيها درس على كبار المشايخ والعلماء في المدينة المنوره ومنهم (الشيخ عبد العزيز بن باز , الشيخ محمد الأمين محمد المختار الشنقيطي , الشيخ عبد القادر شيبه الحمد والشيخ محمد ناصر الدين الألباني والشيخ محمد عبد المحسن العبادي) وهؤلا من أعلام علماء المملكة العربية السعودية بل من أعلام علماء العالم الإسلامي .

وبعد أن أكمل الدراسة الجامعية على أيدي هؤلا العلماء الكبار رجع إلى السودان , وبدأ مشوار جهاده العلمي بالتدريس في المدارس المتوسطة والثانوية ثم انتدب للعمل معلما في مدارس المملكة العربية السعودية وقضى فيها خمس سنوات ثم رجع إلى السودان

الأستاذ الشيخ الجيلي محمد أحمد يعقوب تميز بميزتين ذهنيتين هما (الذكاء والاستيعاب) ..(الذكاء) ساعده في سرعة الفهم المدرك الواعي . والاستيعاب ساعده في أن تكون ذاكرته حاضرة تسعفه بما حفظ في قوة استرجاعية نادرة ..وبسبب قوة الحافظة هذه تجده يحدثك في ما يحدثك فيه من علم بذاكرة تحفظ أدق التفاصيل .

في المدرسة الثانوية كان يدرس (الفقه) في كل أبوابه وكان يدرس (اللغة العربية ) في كل أبوابها .وكان طلابه أكثر حرصا على درسه لأنهم وجدوا فيه الموسوعية والدقة . وهكذا يحكي عنه طلابه الذين درسوا على يديه , بل إن أحد الأساتذة قال لي: الأستاذ الجيلي مرجع علمي مقتدر لكل الأساتذة في مجال الفقه واللغة العربية .

الأستاذ الشيخ الجيلي محمد أحمد يعقوب نذر نفسه للعلم ولتعليم الناس منذ تخرجه من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في عام 1965 وبعد رجوعه للسودان ظل يبذل العلم خالصا لوجه الله تعالى ..ينثر علمه لكل الناس في أيِّ زمان وأيِّ مكان محتسبا أجره عند الله سبحانه . وقد خصَّ أهل طابت بعلمه وفضله منذ عام 1965 ومن قبلها كان يعقد حلقات الدرس في المساجد وفي برندات الدكاكين أيام السوق , وفي الساحات العامة , وفي بيته . وهذا يشهد به كل أهل طابت وحتى في أيام المناسبات في (بيوت الأفراح) أو في (بيوت العزاء ) كان الأستاذ الشيخ الجيلي يلقي للناس درسا في الفقه أو الحديث أو في موعظة في الدين .

بدأ حلقات درسه في منزله فقد كان يعقد حلقة درس يومي وكان الحضور كبيراً وكان يقرأ عليهم كتب الفقه المالكي ومختصراته مع الشرح والتحليل في كل الأبواب .. وقد أفاد منه الناس علماً كثيراً .. تم عقد حلقة درس يومي مابين صلاتي المغرب والعشاء في الشارع إلى جوار منزل (الحاج محمد خليفة الصعيل )عليه رحمة الله تعالى ورضوانه , وهو رجل فاضل يحب الخير ويسعى فيه , وأبناؤه من بعده على نهجه ..استمر الدرس هذا, ثم انتقل الدرس إلى المسجد (مسجد حي النصر) وقد تولى الشيخ إمامة المسجد وخطبة الجمعة ..وهكذا ظل الأستاذ الشيخ الجيلي محمد أحمد يعقوب , يلقي الدرس عقب الدرس , ويبذل العلم بعد العلم طيبة به نفسه , رضيا بها خاطره تجده سعيدا إذا ماعلَّم أحد الناس شيئاً من أمور الدين .. وظل الشيخ الجيلي المرجع للناس في الميراث وقضايا الزواج والطلاق والرجعه وكل ما يتعلق بهذا .. يأتون إليه حتى من القرى يستفتونه فيفتيهم برأي سديد قويم ..

ومن حلقات درسه تلك التي كان يعقدها في السوق في طابت حيث تفرش (السباتات) في إحدي البرندات وما إن يبدأ الشيخ درسه حتى يضيق المكان بالراغبين في السماع حتى من المتسوقين الذين أتى بهم السوق لقضاء حاجاتهم تجدهم يجلسون إلى الشيخ يستمعون إليه ويسألونه ويستفتونه والشيخ لا يكل ولا يمل بل هو سعيد كل السعادة محتسبا كل هذا الجهد عند الله تعالى . يؤدي كل هذا الأداء وهو على رأس عمله الرسمي في التدريس . أما بعد أن تقاعد عن العمل فقد فَـرَّغ نفسه تماما لبذل هذا العلم للناس صباحا ومساء , في بيته أو في الشارع أو في السوق أو في المسجد وأصبحت حلقاته الدراسية في المسجد مستمرة دائمة . ليس هذا فحسب , بل يأتيه الطلاب والطالبات في بيته يدرسون علم الميراث فقد تخصص فيه وأصبح مرجعاً فيه ويأتون ليدرسوا بعض أبواب اللغة العربية من نحو وقواعد وبلاغة وأدب , ويأتيه من لديه مشكلة شخصية مع زوجته أدت إلى الطلاق أو شئ من ذلك يبحث عن التوصيف الفقهي لمشكلته هذه.

الأستاذ الشيخ الجيلي محمد أحمد يعقوب أصيب في عينيه مما أضعف الرؤية عنده إلى حد كبير لايستطيع معها القراءة التي تجدد علمه ولكنه قد استبدل ذلك بالقراءة عليه وهو يستمع , وقد أفادته ذاكرته المستوعبة في حفظ مايُقـْرأ عليه , وكأني به الآن وهو أكثر حفظا من ذي قبل . وبعد أن ضعف بصره يلقي درسه وكأنه يقرا من كتاب مفتوح .

الشيخ الجيلي مع كل هذا رجل خفيف الظل يحب النكتة والطرفة يسمعها ويحكيها , وهو رجل بسيط ليِّـن سهل في تعامله مع الناس ماجعل كثيرا منهم يتعاملون معه بتباسط مخلٍّ لأدب التعامل لما ينبغي أن يكون لمثله .. لأن رجلاًً بهذا القدر من العلم وبهذا القدر من بذل العلم للناس وبهذا القدر من الحرص على تعليم الناس وبهذا القدر من الاحتساب لوجه الله سبحانه , رجل بكل هذه المحامد والفضائل ينبغي أن يكون مكانه الإكبار والتقدير والإجلال . وأنا شخصيا ما أن أراه إلا ينحنى له قلبي حبا وتقديراً.

جزاه الله خيراً وأحسن إليه وأدام عليه فضله وعافيته ونفع الله الناس بعلمه ومعارفه إنه سميع مجيب .

1,979 زيارة
يناير 152012
 

بسم الله الرحمن الرحيم

سياحة على ضفاف علي سعيد

( أنطونيو الخشومابي )

(النجّاضة ) الخضراء أحب إلى قلبي من ميدان ( هايد بارك ) الخضير في لندن ، و( الحفير ) بشجيراته الشوكية أوقع في نفسي من غابة ( بولونيا ) في باريس ، وشارعنا ( شارع الضباط ) أحب إليّ من شارع ( الشانزلزيه ) ، ليس هذا من قبيل المبالغة ولكنّ المعاني قبل المباني ، و( العرجا لي مراحا ) ، ما انفككت أقول عن نفسي إنني رجل طابتيّ الطبعة والنزعة ، رجل ( Made in Tabat ) أي ( صنع في طابت ) ، وإن شئت فقل ( طبع في طابت ) ، ذلك لأن الأدب والفن عند الطابتيين طباعة لا صناعة ، وكذلك السخاء والوفاء والشجاعة ، تلك البلدة التي فيها ما فيها من أنفاس القرية وأقباس المدينة ، كم ذا تحدثت فيها وكم ذا تحدثت عنها ، فما شبعت مني ولا شبعت منها ، في حقبة خلت عشنا في حضنها عيشة راضية ، فيما بين الطفولة إلى الرجولة ما أحلاها وما أغلاها ، كان كل شيء فيها جميلا وأصيلا ، حين نلهو ونلعب ، حين نغني ونطرب ، حين نأكل ونشرب ، حين نرضى ونغضب ، وحين نخسر ونكسب .

في نهاية أبريل من عام 1994 كنت عائدا من باريس إلى الخرطوم في إجازة لأداء شعيرة الحج ، جئت مسرعا إلى طابت لأمكث فيها ليالي وأياما ، ثم لأصطحب معي إلى الحج جدتي لأبي التي ربّيت في كنفها أعواما وأعواما ، ولشدّ ما كان أسفي حين لم تستطع مرافقتي إلى البلد الحرام أن كانت تعاني وهنا وسقاما ، ورغم أنني حججت عنها من بعد وعن جدي لأبي حجة مثلها – رحمهما الله – ورغم أنها حجّت من قبل حجة عن نفسها إلا أنني وددت يومئذ لو أنني حظيت برفقتها في حجتها فكانت عليّ برّا وبردا وسلاما ، في ضحى يوم من شهر مايو من ذلك العام جئت مقبلا من منزل جدي لأمي سعيد مسعود – حفظه الله – فعطفت عند نهاية شارع منزله يمينا إلى شارع ( الضباط ) فإذا بالعم / حاج الطيب الصافي عند ( راكوبة ) دكانه ( الناصية ) يجالس العم / حميدان ود عبد الله – رحمهما الله – وآخرين ، فلما حييتهم بتحية الإسلام وأنا في سيري إلى منزلي ناداني العم / حميدان فقال لي يمازحني ( الزول بحج أول شي ولاّ بعرّس ؟! ) ، فقال بعضهم ( الزول أول شي بعرّس ) ، عندئذ سألني ود الصافي ( قول ليهم الفرض فيهن ياتو : الحج ولاّ العرس ؟ ) فأجبت ( الفرض الحج ) ، فقال لي ( أمشي قضّي فرضك وتعال بي راحتك دافر وعافر مع الناس ) .

( المدافرة والمعافرة ) لها مجال في شئون المعيشة والحياة الاقتصادية كما لديها مجال في الحياة السياسية ، والأستاذ / علي سعيد محمد عيسى هو من أشهر من اتسم من أهلنا الطابتيين بفقه ( المدافرة والمعافرة ) ، وله في ذلك يد طولى تمسك بعروة وثقى ، كنا معا راجعين من مناسبة اجتماعية قبيل وقت العشاء فوقفنا وقفة أمام دكان الحاج مهدي ، فقصّ عليّ علي سعيد طرفا من حكاية له مع أحد السياسيين ختمها بقولة قالها لذلك السياسي ( الشي ما عندكم إيد تدفروا بيها زول لي جُوّة ) ، استغرقت في الضحك ليلتئذ من بلاغة تعبيره وبراعة تصويره ، فكأنني من حسنهما أنظر إلى فخامة رئيس الجمهورية المشير/ عمر البشير جالسا في قصره وحوله طائفة من الوزراء وصنّاع القرار والسيد / علي سعيد يستحث يد صاحبه السياسي طمعا في أن ( يدفر بيها زول لي جوّة ) ، إلى حيث يجلس السيد الرئيس ومعانوه فينال ( المدفور ) حظا وحظوة ، ، وعبارات علي سعيد لا تخلو من صور مسرحية ، ولا من مسحة من سخرية ، تذكّرني بعبارات طالب درس معنا بكلية الآداب اسمه لطيف سر الختم ، حلفاوي من الإسلاميين ، كان يزورني بداخلية القرشي بالبركس ويقسم عليّ إلا حضرت اجتماعا يدعوني إليه بالكلية ، فإذا رآني غير متحمس له أقسم عليّ مرة أخرى وعلل ذلك بقوله ( لكي نحاصر الرجرجة ) ، كان مثل علي سعيد فتى فيه نكهة من سخرية ، بل إن وجهه كانت فيه ملامح شكسبيرية .

الأستاذ/ علي سعيد نهر عذب فرات سائغ شرابه له ضفتان ضفة أدبية وضفة سياسية ، مقدام سخيّ ذو أريحية ، لم أر مثله في السخاء ولا مثل ( ابن تيمية ) ، ألا وإنني لأتذكّر ذلك اليوم الذي التقيته فيه بمنزله للمرّة الأولى في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي ، كان يلبس ( عرّاقي ) ويمسك بقصاصة على متنها قصيدة لشاعر طابتي ألقاها عليّ يومئذ فنشأ بيني وبينه حديث نقدي حولها واتخذ سبيله في أمرها عجبا ، ثم أتبع سببا ، ومنذئذ لم تبرح العلاقة بيني وبينه متينة تمضي بنا حقبا ، صريحا فصيحا لو كان كلام غيره من فضة لكان كلامه ذهبا ، يأسر الناس بفصاحته وبلاغته ، لو أن إبليس جلس إلى علي سعيد لسمع منه مايطمّعه في دخول الجنة ولمنحه مساحة من الأمل في الفوز بالفردوس وبحبوحته ، وآل سعيد كلهم فصحاء سمحاء ، وهم من أقرب الناس إلى قلبي ، ربما نظرت إلى العم / سعيد فضحكت قبل أن يتحدث ، يذكّرني دوما بجدي لأبي -رحمه الله – فهو أشبه الناس بنهجه ولهجه ، لم يزل مثله أبياّ قويّا حتى وهو يزدجر حمارا أو ينتهر بهيمة ، يتدفق مثله عزيمة وشكيمة ، ذهبت خلال إجازتي في العام قبل الماضي في زيارة لتعزية آل سعيد في وفاة العم المرحوم / مبارك النور فلم أظفر بعلي وظفرت بأبيه ، سلمت عليه وعزّيته ثم دخلت فسلمت على العمة المرحومة / فاطمة الفكي النور وعزيتها ، ثم ولجت معه في حجرته فإذا هي هي ، تماما كحجرة جدي – رحمه الله- ، فقصّ عليّ أحلى القصص ، وختم إحداها معربا عن إعجابه بموقف للأستاذ / مضوي قائلا ( الزول دا ما شفت زي قوّتو في زول ! ) يقصد قوة مواقفه ، ثم قص عليّ ملامح من ( المدافرات والمعافرات ) السياسية التي أفضت إلى قبضة الأستاذ / علي سعيد على زمام الأمور في محلية الحصاحيصا ، ضحكت في تلك الظهيرة من أعماق قلبي ، وفي طريقي إلى منزلي طفقت كلما تذكرت عبارة من عباراته أستغرق في الضحك ، وقلت في نفسي يومئذ ( هل جئت لأعزيه أم ليعزيني ويسلّيني ، لقد صدق من سمّاكم الخشوماب ! ) .

عبارات العم / سعيد – حفظه الله – موغلة في الفصاحة والصراحة ، ربما انتقدته أحيانا وأنا أمزح لكي أظفر منه بعبارة بليغة ، كتلك الأمسية التي كنا فيها جلوسا في سمر بفناء منزل الأستاذ / مضوي ، وكان من الجالسين والدي – حفظه الله- والعم / محمد قسم الله والعم حميدان – رحمهما الله – ، فتحدث العم / سعيد حديثا ممتعا كانت تقطعه ضحكاتنا وتعليقاتنا ، ثم استأنفه ووصف رجلا يمشي في طرف الشارع ملتصقا بالحيطان بقوله ( الزول البتلبّد دا ) ، عبارة ظللت أقتبسها لأصف بها سفيرا يفعل فعل ذلك الرجل إذ يمشي بين مكاتب السفارة ، ما أبلغ أحاديث أولئك القوم وهم يختزلون تجارب حياتهم في عبارة ، فيها جرعات من المعاني وكبسولات من البيان ، وما أكثر ما يشنفون بها الآذان ، كلمات فاعلات متفاعلات في كيمياء الحياة من ( أيونات السعيديك ) إلى ( كبريتات الحميدوز ) – نسبة إلى العم المرحوم / حميدان .

الحلم أيضا من السمات والصفات التي تعجبني في الأستاذ/ علي سعيد ، فهو رجل حليم فوق أنه شجاع كريم ، وزوجه السيدة ( حليمة ) كريمة مثله ، وهو أيضا دبلوماسي فوق أنه سياسي ، في شخصيته السياسية تراه يحشد الحشود ويجنّد الجنود ، ويعقد التحالفات ويقيم التوازنات ، وترى بعض المدينة وبعض الريف يموج في بعض ، وترى الأحوال تمور مورا ، والأبطال تفور فورا ، فالمنطقة برمّتها أشبه بمسرحية درامية لشكسبير ، وفي شخصيته الدبلوماسية تراه يلطف غلواء المعارضين ، ويستميل إليه المؤثرين ، و يحلم عن الغاضبين ، قال لي ذات مرة ( الناس ديل زعلانين ) _ يعني بطبعهم _، وعندنا معشر الدبلوماسيين أنه إذا تهوّر السياسي تدخّل الدبلوماسي فيزيل الثاني بتلطفه ما أحدث الأول بتعنفه ، هذا يفتق وهذا يرتق ، السياسيون يفجّرون الأزمات بتصريحاتهم المضّاضة ، والدبلوماسيون يكفّرون عنهم بعباراتهم الفضفاضة ، فيقولون ( زلّة لسان) ،أو ( سوء في الترجمة) ، أو ( عبارات أسيء فهمها ) ، وتبريرات من هذا القبيل ، هذا إذا كان السياسي غير الدبلوماسي ، فكيف به إذا كان هو هو كالحال في شخصية علي سعيد ، أعني إذا كان ( الفاتق هو الراتق) ، أو بعبارة محلية إن كان هو الذي ( يفلق ويداوي )!؟ .

تذكّرني دبلوماسية الأستاذ / علي سعيد / بدبلوماسية سيدنا معاوية بن أبي سفيان وسياسته، كلاهما من أهل الحكم والحلم فإغضاب أحدهما مهمة عسيرة ، وكلاهما يستميل الناس إليه بالعطايا والهدايا ، في النصف الثاني من الثمانينات وعقب الانتخابات دعا علي سعيد جمعا غفيرا من أهالي المدينة والريف إلى مأدبة فطور بمنزله شبيهة بحفلات الاستقبال التي تقيمها السفارات بمناسبة أعيادها الوطنية، وفي بدايات التسعينات ربما زارني الأستاذ /علي سعيد بالوزارة أو بعمارة من ثلاثة طوابق مطلة على مستشفى الحياة ببحري ، كنا نسكن فيها نحن طائفة من العزّاب الدبلوماسيين ثم انضم إلينا فيما بعد طائفة من الطابتيين ، كنا نسمي يومئذ هذه الطائفة من العزّاب( البعثة الدائمة العضوية بدار أب جلابية ) ، ولقد زارنا في هذه العمارة كثير من الطابتيين منهم علي محمود وحاتم محمد المبارك وطارق العبيد والدالي و ( الدكّة ) و(ابن تيمية ) .

نال الأستاذ / علي سعيد من النجاح والتوفيق في الملعب السياسي أضعاف ما نال منهما في ملعبه التجاري ، ربّما لأنه في هذا الأخير كان يستعجل ويغامر فيسدد الكرة من خارج ( خط 18 ) فيصيب المرمى أحيانا ويخطئه أحيانا ، أو ربّما لأنه كان ينفق في السياسي ما جمع من التجاري ، ولم يزل سريّا سخيّا ولو اقترض من المصارف والمعارف ليجود ويجود فيسود ، ومهما أصابه من البلاء والشقاء فلمثلها يعود ، كأنه يؤمن أنه بذلك يأوي إلى ركن شديد ، وهذه من أعجب عجائب الأستاذ / علي سعيد ، جلسنا ذات يوم نتحدث ونحن طائفة من أصدق أصدقائه فاتفقنا جميعا أنه سيخرج من كل محنة بسلام ، لأن الكريم لا يضام ، وتعجبّنا جميعا من شدة احتماله وصبره في الملمّات العظام ، فهو كما قال دريد بن الصمّة ( صبورعلى الضرّاء طلاّع أنجد ) في جميع الليالي والأيام ، وقال بعد هذا الشطر بيتين لا يوصف بهما إلا أمثاله من الأنام :-

تشكّيه المصيبات ذاكر ** * من اليوم أعقاب الأحاديث في غد قليل

الأرض الفضاء تزيّنت *** لرؤيته كالمأتم المتبدد إذا هبط

( رخص علي سعيد ) تشير إلى مذهبه الذي يتمذهب به في السياسة السودانية ، كأنه يرى أن الناس توسعوا في التحريم وبالغوا في سد الذرائع ، فأدّى ذلك إلى فوات كثير من المنافع ، حدثني ذات مرّة أن أحد السياسيين قال له ( إتّ عارف أنا ماكمّلت بنيان بيتي في الخرطوم لي هسّع ) ، فقال له علي سعيد ( المانعك شنو ماتبنيهو وتكمّلو؟ ) فقال ( أبنيهو بي الحرام ؟ ) فردّ عليه علي سعيد ( أبني ليك أربعة بيوت بي الحلال والخامس البي الحرام دا أبني لينا نحن خلّينا نجي نقعد في ) ، أما في السياسة الطابتية فقد كانت مسيرته تجسيدا لتوجهات شتى ،منها . ( Anti- Rajabism ) وتوجه ( Anti-Faisalism)توجه

شخصية الأستاذ / علي سعيد شبيهة بشخصية السياسي الروماني ( أنطونيو ) أو ( مارك آنطوني ) كما يسميه الإنجليز Mark Antony ) ) ، كلاهما تميز بقدرة فائقة على التعبئة الإعلامية والسياسية ، إبّان انتخابات 1986 كان للأستاذ / علي سعيد دكان للبيع بالجملة للمواد الغذائية يقع في طرف صف النجّارين بالسوق ، ولقد أبلى في تلك الانتخابات بلاء حسنا كما أبلى فيها أيضا قوم آخرون منهم الجد المرحوم / عبد الله الجهني بلاء حسنا ، زاره بذلك الدكان ثلاثة رجال أشداء يمتطون سيارة ( بوكس ) و كانوا من ساكني كمبو( 3 صفر ) – بكسر الفاء والصاد التي تنطق سينا – فزودهم بالبنزين وبميكرفون وضعوه في أعلى السيارة ، وطلب منهم أن يقوموا بجولة في شوارع السوق يعلنون فيها انضمام ذلك الكمبو والكنابي التي من حوله إلى ( الجبهة الإسلامية )، فقاموا بمثل ما أمرهم وطافوا شوارع السوق شارعا شارعا وهم يعلنون ذلك عبر المايكرفون في أسلوب دراميّ مثير ، حتى ارتاع القوم وظنوا أن ( الجبهة) في الأرض مُدّت ، وأن الناس أذنت لها وحُقت ، وألقت ما في الأحزاب وتخلت .

أما ( أنطونيو ) الروماني فقد كان بطلا في مسرحيتين تراجيديتين لشكسبير، إحداهما مسرحية ( يوليوس قيصر) والثانية مسرحية ( أنطونيو وكليوباترا ) ، ولقد استطاع ( أنطونيو) في الأولى أن يعبيء الناس بسحره البياني ضد قتلة ( يوليوس قيصر) تماما كما اعتاد أن يفعل الأستاذ / علي سعيد في مباراياته الانتخابية ، وقد وردت الإشارة في المسرحية إلى هؤلاء القتلة بلفظ Conspirators) ) أى ( المتآمرين ) الذين كانوا أعضاء بمجلس الشيوخ الروماني (Senators ) ، و لقد زعم زعيمهم النبيل ( بروتس) الذي قاد المؤامرة التي أودت بحياة صديقه ( يوليوس قيصر ) أنه ما قتله إلا من أجل روما ، وأنه يحب ( قيصر ) ولكنّ روما أحب إليه ، وقبيل قتله كان ( بروتس ) يقلل من مخاوف المتآمر( كاسيوس) الذي تولّى كبر المكيدة من أولها ولكنه كان يخشى عند قتل ( قيصر) من ( أنطونيو ) صاحبه الوفي ، قال ( بروتس ) مبددا مخاوف ( كاسيوس ) و هواجس المتآمرين :-

And for Mark Antony, think not of him:
For he can do no more than Caesar’s arm,
When Caesar’s head is off.

المعنى ( أما أنطونيو فلا تكترثوا له فلن يستطيع أن يفعل إلا ما يفعله ذراع قيصر إذا بُتر رأسه ) .

ثم أقدم المتآمرون على قتل ( قيصر ) ، فطعنوه بخناجرهم واحدا تلو الآخر ، وكان آخر من طعنه صديقه (بروتس) ، فلما رآه ( قيصر) مقبلا على طعنه قال قولته الشهيرة ( حتى أنت يابروتس ؟!) ، هذه العبارة التي أوردها شكسبير بلفظها اللاتيني (Et tu, Brute? ) ، ولعلي أسمّي ( حتى ) الواردة في هذه العبارة ( حتى القيصرية ) ، وهي وجه من وجوه ( حتى الفرّائية ) التي قال في شأنها الفرّاء – أحد كبار أئمة النحو في المذهب الكوفي – ( أموت وفي نفسي شيء من حتى لأنها ترفع وتنصب وتخفض ) ، و في رمضان في منتصف الثمانينات رأيت الأستاذ / عمر فرج الله يمازح كثيرا صديقه الأستاذ / مبارك محمود مصطفى رئيس التجمع الشبابي يعجب من كثرة لجانه ، وعدّ لي ثماني لجان يمثل صديقه فيها رئيسا أو عضوا ( لجنة التجمع – لجنة الحي – لجنة المدرسة …الخ) ، فكنت أقول يومئذ فيه وفي أمثاله ( يموت وفي نفسه شيء من لجنة ) على طريقة ( حتى الفرّائية ) ، والأسبان أخذوا مفردات كثيرة من العربية منذ عهد الأندلس مازالت مستخدمة في لغتهم ، حتى إن أحد الباحثين منهم توصل في مؤلف أصدره إلى أن ربع كلمات الأسبانية مأخوذة من العربية ، ومن ضمن ذلك أخذوا كلمة ( حتى ) الواسعة الاستعمال ، ، فهم يكتبونها ( hasta ) وينطقونها ( آستا ) كما في عبارة ( hasta luego ) أي ( إلى اللقاء ) ، والكلمتان مأخوذتان من العربية والأثر العربي في نطقهما الأسباني جلي ، ولقد استخدم ( حتى القيصرية ) الصحفي البريطاني الكبير( Robert Fisk ) الكاتب بصحيفة ( الاندبندنت) استخداما حسنا في مقال متميز بعنوان ( The Roman Empire is falling – so it turns to Iran and Syria ) ، كتبه في ديسمبر من العام الماضي وأشار فيه إلى سقوط الإمبراطورية الأمريكية عقب صدور تقرير لجنة ( بيكر- هاميلتون) الذي أوصى بضرورة اللجوء إلى أعدى أعدائها – إيران وسوريا – للخروج من ورطتها في العراق ، قال ( روبرت فيسك ) بلسان حال بوش الذي تسلم التقرير على مضض مخاطبا ( جيمس بيكر) وزير الخارجية الأسبق وهو جمهوري مثله (Et tu, James? ) ، أي ( حتى أنت يا جيمس ؟! )

ضرب لنا شكسبير مثلا بليغا فى المشهد الثانى من الفصل الثالث من مسرحية ( يوليوس قيصر ) أجاب به على سؤال هام وهو أى الاثنين أبلغ : الشعر أم النثر؟، إذ أورد خطبتين إحداهما نثرية مؤثرة ألقاها ( بروتس ) أمام الجمهور المحتشد يذكر فيها الأسباب والمسوغات التى دعته إلى المساهمة فى قتل ( قيصر ) ، ويبدو أنها وجدت إلى قلوب السامعين سبيلا فلم يكد يفرغ منها حتى هتف له الهاتفون ( ليحيا بروتس ، ليحيا بروتس ) ، ثم أورد من بعدها الخطبة الشعرية الرائعة التى ألقاها ( أنطونيو ) يدحض بها ما قال خصمه ( بروتس ) ، ولقد استطاع بها أن يطفىء الحماس الذى أحدثته الخطبة النثرية وأن يستميل أفئدة السامعين إليه ، فهتفوا له بأشد مما هتفوا لخصمه وأمعنوا في وصفه ( بأنطونيو النبيل )، وانفعلوا بسحره الشعرى الذى فعل بهم الأفاعيل ، حتى أخذ الهتاف ينبعث من بعضهم حنقا على قتلة ( قيصر ) ، وهنالك طفقت نذر الثورة على ( بروتس ) وعصبته تلوح فى الأفق ، قال ( أنطونيو ) في خطبته الشعرية :-

ANTONY:

Friends, Romans, countrymen, lend me your ears;
I come to bury Caesar, not to praise him.
The evil that men do, lives after them;
The good is oft interred with their bones;
So let it be with Caesar. The noble Brutus
Hath told you Caesar was ambitious:
If it were so, it was a grievous fault,
And grievously hath Caesar answer’d it.
Here, under leave of Brutus and the rest–
For Brutus is an honourable man;
So are they all, all honourable men–
Come I to speak in Caesar’s funeral.
He was my friend, faithful and just to me:
But Brutus says he was ambitious;
And Brutus is an honourable man.
He hath brought many captives home to Rome

وترجمتي لها على شعر التفعيلة ( فاعلاتن ) :-

أنطونيو:

أصدقائى ، أيها الرومان شعبى ، فلتعيرونى سمعا

جئت كى أدفن ( قيصر ) ، لا لأحثو فيه مجدا

إنما الشرالذى يقترف الناس سيحيا بعدهم

لكن الخير مرارا قد يوارى معهم تحت الثرى

وعلى المنوال هذا شأن ( قيصر) ،

( فبروتس ) ذا النبيل

لكمو كان يقول

إن (قيصر ) إنما كان طموحا

إن يكن ذلك حقا ، يك جرما قد تجناه جسيما

وغدا ( قيصر ) عنه يحمل الإصر عظيما

هاهنا جئت بإذن من ( بروتس ) والبقيه

(فبروتس) إنه رجل شريف

وكذا القوم جميعا هم رجال شرفاء

جئت كى أرثى ( قيصر )

إنه كان صديقا مخلصا لى ووفيّا

بل ( بروتس ) لم يزل فيه يقول : إنه كان طموحا

( وبروتس ) إنه رجل شريف

فكأيّن من أسارى ساقهم سَوْمَا لروما

ينبغي نطق كلمة ( رجل ) في العبارتين الواردتين آنفا بسكون الجيم لضرورة الوزن ، ويمكن استعمال كلمة ( شخص ) بدلا منها لتفادي الضرورة ، نون ( لكن ) الواردة في عبارة ( لكن الخير مرارا ) تنطق نونا مخففة وهي هاهنا مكسورة لالتقاء الساكنين ، أما لفظة ( ( hath فتستعمل في الشعر القديم بدلا من ( has ) .

ثم يمضي ( أنطونيو ) في خطبته مشيّعا بالتأييد والتصفيق إلى أن يقول :-

My heart is in the coffin there with Caesar,

And I must pause till it come back to me.

وترجمتي لهذين السطرين كما يلي :-

ففؤادى فى حشا التابوت ثاو مع “قيصر”

فعليّ المكث صمتا ريثما يرجع قلبى

وإنني لأحسب أن كلمة ( coffin ) الواردة في السطر الأول منهما هي ذاتها كلمة ( كفن ) العربية ، وأن الإفرنج أخذوها منها رغم أنهم اجتهدوا في أن يردّوها إلى أصول يونانية وعبرية ، وشكسبير يورد في مسرحياته وأشعاره كلمات شتى مأخوذة من العربية مثل كلمة (candied ) الواردة في عبارة ( هاملت ) : ( No, let the candied tongue lick absurd pomp) ، ومعناها ( كلا ، إنما أدع اللسان المحلّى يلحس فوارغ الأبّهة ) ، فهذه الكلمة ( candy ) هي كلمة ( قند ) العربية ، ومازال أثر نطقها العربي ماثلا في نطقها الإنجليزي ، و( القند ) ، و( القنديد ) هو سكر القصب ، قال امرؤ القيس في قصيدته التي مطلعها ( لمن طلل بين الجُديّة والجبل ) :-

كأَنَّ عَلى أَسنَانِها بَعدَ هَجعَةٍ *** سَفَرجلَ أَو تُفَّاحَ في القَندِ والعَسَل

وقال المتنبي في قصيدة العيد :-

وَعِندَها لذ ّ طَعمَ المَوتِ شارِبُهُ *** إِنَّ المَنِيَّةَ عِندَ الذل قِنديدُ

على طريقة الأستاذ / علي سعيد تمكّن ( أنطونيو) من حشد الجماهير وتعبئتها بمهارة وجسارة ضد القتلة المتآمرين وانتصر عليهم عسكريا ، فما كان من ( بروتس) وهو في ميدان المعركة إلا أن طلب من خادمه (Strato ) خدمة أخيرة ، طلب منه أن يمسك الرمح بيديه ليلقي بنفسه عليه ، عندئذ قال ( بروتس) قبل أن ينتحر سطرين من الشعر المقفى ( Rhymed ) ينبئان عن حسرته على قتل قيصر ويوحيان باضطراره إلى ارتكاب تلك الجريمة :-

Farewell good Srato- Caesar, now be still : Brutus

I killed not thee with half so good a will

وترجمتى الشعرية لهما على بحرالكامل كما يلى:-

بروتس:

منى الوداع لك “ستراتو” الخيّر *** وليبق بالك هادئا يا ” قَيصَرُ ”

اليوم أقتل مهجتى عن رغبة *** وبنصفها إنى – قتلتك – مُجبَرُ

هنالك أقبل ( ميسالا ) الذي أسره جنود ( أنطونيو ) فسأل ( ستراتو ) قائلا ( أين سيدك يا ستراتو؟ ) فأجابه بأسطر شعرية مرسلة بليغة ( في عافية مما أنت فيه من رق الإسار يا ميسالا ، إن من فازوا بالنصر لن يستطيعوا أن يفعلوا أكثر من أن يحرقوا جثمانه ، إذ لم ينتصر على بروتس إلا بروتس نفسه ، ولن ينال أحد سواه بموته شرفا ) ، ولقد اعترف ( أنطونيو ) وعصبته أن ( بروتس ) هو أنبل الرومان جميعا وأقرّوا بنفاسة معدنه ، لأنه لم يفعل مثلما فعل بقية المتآمرين حسدا لقيصر ، وختم شكسبير المسرحية بسطرين من الشعر المقفى على لسان ( أوكتافو) أحد النبلاء الذين انتصروا مع ( أنطونيو ) ضد المتآمرين :-

Octavius:

So call the field to rest, and let’s away

To part the glories of this happy day

وترجمتي الشعرية لهما على البحر نفسه :-

أوكتافو:

أعلن بأن الحرب قد وضعت لنا *** أوزارها هيّا بنا فلنَذهَبِ

كى نحتفى بسرور هذا اليوم من *** مجد كسبناه وذكر طَيِّبِ

إذن بيّن لنا شكسبير بيانا جليا عبر هاتين الخطبتين أن الشعر أبلغ أثرا وأعظم خطرا من النثر ، ولقد كان لمسرحية ( يوليوس قيصر ) أثر بليغ في نفسي باعتبارها أول مسرحية لشكسبير قرأتها له في نصها الإنجليزي وأنا طالب في المرحلة الثانوية ، وحفظت منها مقاطع شعرية عديدة ، وقرأت طائفة من مسرحياته مترجمة إلى العربية خلال المرحلة المتوسطة ، وفي هذه المرحلة كنت مولعا بالمسرح والتمثيل كولع الطيب عقال باللغة الإنجليزية وبكلماتها الطوال، فأنشأت فرقة مسرحية كنت أؤلف لها نصوصا تقوم بتمثيلها في أنشطة الجمعية الأدبية بالمدرسة ، ومن رموز هذه الفرقة الأخ / محمد الأمين النيل والأخ / النور أحمد الطيب ( أوجلان طابت ) كما سمّاه بذلك لي أحد الطابتيين المقيمين بصنعاء .

الكلام إما قرآن أو شعر أو نثر ، وبعضهم يقول ( النثر القرآني ) تمييزا له عن سائر ألوان النثر الأخرى ولكن التقسيم الأول عندي أوفق ، والقرآن في ألفاظه ومعانيه يختلف عن النثر كما يختلف عن الشعر ، وورود بعض الأوزان الشعرية في طائفة من الآيات القرآنية لايعني بأية حال أو بأي احتمال أن القرآن من جنس الشعر لقوله عز وجل ( وماهو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ) ولقوله سبحانه وتعالى ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) ، ومن الأوزان الشعرية الواردة في القرآن الكريم :-

قوله تعالى ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) فهو على وزن ( فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن ) وهذا شطر من بحر الطويل .
وقوله تعالى ( وجفان كالجواب وقدور راسيات ) فهو على وزن ( فعلاتن فاعلاتن فعلاتن فاعلاتن ) وهذا من مجزوء بحر الرمل .
وقوله تعالى ( ياأيها الناس اتقوا ربكم ) فهو على وزن (مستفعلن مستفعلن فاعلن ) وهذا من مجزوء بحر الكامل .
وقوله تعالى ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فهو على وزن ( فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتان ) وهذا من مجزوء بحر الرمل .
هذه الآية اقتبسها الشاعر أبونواس المعروف بمجونه الصريح، ووضعها في موضع قبيح فقال:

خُط ّ في الأرداف سَطْرٌ *** من بديع الشعر موزون

( لن تناول البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون )

( نون القافية ساكنة )

الشعر لايسمى شعرا إلا باستيفاء خمسة أركان هي اللفظ والمعنى والوزن والقافية والنية والمراد بها القصد الى نظم الشعر، ولهذا قال الجاحظ ( لو أن أحدا صاح في سوق الخضر : من يشتري باذنجان) فليس هذا بشاعر رغم أن عبارته هذه هي على وزن (مستفعلن مفعولان)، فهي جاءت على وزن الشعر ولكنها ليست بشعر، وقائلها ليس بشاعر لأنه لم يقصد بها نظم الشعر، وإنما جاءت هكذا فصادفت وزنا شعريا، وهذا في كلام الناس وعباراتهم كثير، فالقرآن يخالف الشعر في أركانه المذكورة من حيث عدم احتوائه على الوزن والقافية والقصد الشعري، ويخالفه أيضا في اللفظ والمعنى من عدة أوجه ، والقرآن ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ، أما الشعر فحديث أعذبه أكذبه .

لأنطونيو الخشومابي شاعرية و( رومانسية )عرفناها في قصائده العاطفية ، وهو في المكر السياسي ذو نزعة ( إيحائية ) ، في عام 1993 كتبت إليه من باريس وإلى السيد / محمد عظيم العاقب رسالة استهللتها بقولي ( إلى الأستاذ / علي سعيد الإيحائي الإرهابي والزعيم الخشومابي ) ، وكان كثيرا مايستخدم في أحاديثه نعت ( إيحائي ) ينعت به آخرين ، والأستاذ / علي سعيد موسوم أيضا من ناقديه بسمة ( اللحظية ) يقصدون بذلك أنه ينفعل معك في الأمر ويتحمّس له في اللحظة والوقت الذي تلقاه فيه ولا يتعدّاه قيد أنملة ، سمعت ذات مرّة رجلا من الجعليين ينتقده قائلا ( مشكلة علي سعيد أنّو لحظي ) ، ثم سمعت بعد أكثر من عشر سنين رجلا من الخشوماب عائدا من السعودية يصفه بقوله ( دا زول وكتي ) يقصد ( وقتي ) ، فضحكت وقلت في نفسي ( مع اختلاف الزمان اتفق الرجلان في وصف الرجل ، اتفقا في المعنى واختلفا في اللفظ ) .

ولئن كان الأستاذ / علي سعيد في طابت على صعيد السياسة الإنقاذية هو أحد الأئمّة الأربعة فإنه على صعيد الآداب الطابتية أحد الشعراء الغزليين الثمانية ، ومن التنفيذيين العشرة الذين كان مجلس طابت يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله ، ولئن كان ( أنطونيو ) المذكور مشغوفا بمعشوقته ( كليوباتر ا ) التي أبدع بنان شكسبير في وصف محاسنها فإن ( كليوباترا ) علي سعيد هي منطقة طابت ومحلية الحصاحيصا ، قال شكسبير في مسرحية ( أنطونيو وكليوباترا ) :-

Age cannot wither her, nor custom stale
Her infinite variety: other women cloy
The appetites they feed: but she makes hungry

Where most she satisfies

ترجم البروفسير عبد الله الطيب- طيّب الله ثراه – هذه الأسطر الشكسبيرية شعرا كما يلي :-

فلا العمر مبليها ولا عادة اللقا *** بها من مجاليها الصنوف تضيعُ

سواها من النسوان يتخمن بالجدا *** وأقوى إذا ما أشبعتك تجيعُ

ويرى- رحمه الله – أن شكسبير ربما أخذ هذا الوصف لكليوباترا من وصف أبي تمام لعمّورية :-

بِكرٌ فَما اِفتَرَعتَها كَفّ حادِثةٍ *** وَلا تَرَقَّت إِلَيها هِمَّةُ النُوَبِ

مِن عَهدِ إِسكَندَرٍ أَو قَبلَ ذلكَ قَد *** شابَت نَواصي اللَيالي وَهيَ لَم تَشِبِ

ثم يقول البروفسير ( ولا أستبعد بل أرجّح أن يكون شكسبير قد نما إليه علم ما عن هذا الوصف الذي وصفه أبوتمام لعمّورية فرتب عليه مارتبه فأجاد من نعته لكليوباترا، وقد ذكر ناقدوه “وهو كذلك ” أنه أخذ من صفة بلوتارك كليوباترا ، والسطر الأول وأول الذي يليه شبه صياغة أبي تمام فيهما شديد فتأمّله ) .

ومن طريف الأخبار والآثار ما كشفته دراسة لعملة نقدية فضية ترجع لألفي عام، وتحمل صورة لكليوباترا ملكة مصر أن الأخيرة التي صوّرتها هوليوود مع حبيبها القائد العسكري الروماني أنطونيو كأجمل عاشقين في التاريخ، لم تكن بهذا القدر من الجمال الذي جسدته النجمة الأمريكية اليزابيث تايلور ، فالعملة النقدية تظهر أن كليوباترا كانت تمتاز بأنف حاد وشفاه رفيعة و جبين مسطح ، ومن الجهة الأخرى للعملة التي حملت صورة لأنطونيو الذي جسده بدور سينمائي عام 1963 الممثل ريتشارد بورتون زوج تايلور حينها، فلديه عينان جاحظتان وأنف ضخم ورقبة غليظة ، هذه العملة أبرزت خلاف ما أورده المؤرخون و من سار على نهجهم مثل شكسبير الذين صوروا ملكة مصر بأنها رائعة الجمال، لدرجة أنها استطاعت بفضل هذا الجمال أن تغوي قيصر روما يوليوس ومن ثم ندّه وصديقه أنطونيو .

الأستاذ / علي سعيد إذا اقتنع بغاية فإنه يخلص مع صاحبه في بلوغها في شجاعة وتفان ، ولذلك كان في انتخابات 1995 وفيّا لصديقه المرحوم / عطا المنّان وفاء أنطونيو لقيصر الرومان ، قبيل تلك الانتخابات زارني الأستاذ / علي سعيد بمنزلي في صباح باكر فشرب معي شاي الصباح ، وحاول أن يستخرج مني بعض المعلومات حول الخطة الانتخابية لمرشح ( وحدة طابت ) فلم يظفر مني بشيء ، وحاولت أيضا فلم أظفر منه بشيء ، وانتهت الجلسة في ذلك الصباح إلى دردشة ومزاح ، وإنني لأحسب أن كثيرا من الطابتيين بحاجة إلى إعادة قراءة مسرحية ( يوليوس قيصر ) ليتبينوا مقاصد المواقف في ذلكم النطاح ، ومع أن ظاهر النصر كان للفريق الذي بقيادة ( أنطونيو الخشومابي ) و(Octavius ) أومحمد عظيم العاقب فإن إحساس الطابتيين كان بنصر من خسر ، إحساس ربما فاق في لذته ومتعته إحساس المنتصرين بالفوز في تلك الانتخابات ، وفي أول الأمر طاف على أهل طابت طائف من الحزن والوجد ، ثم اعتراهم شعور بالفخر والمجد ، كأن كل واحد منهم يومئذ كان يقول شعرا بلسان ( بروتس ) وهو في ساحة القتال :-

I shall have glory by this losing day
More than Octavius and Mark Antony

المعنى ( سأبلغ من المجد في هذا اليوم الخاسر ما لا يبلغه أنطونيو وأوكتافو ) .

في فبراير أو مارس من العام 2003 زارني الأستاذ / علي سعيد مع الأستاذ / موسى علي حسب الله بمكتبي بالإدارة السياسية بوزارة الخارجية ، لم تكن الدنيا إليه مقبلة ، ولم تمض على تلك الزيارة أيام أو أسابيع حتى ورد إلينا بتلك الإدارة مرسوم جمهوري بتعيين (معتمدين) بولايات السودان ، نظرت في قائمة الأسماء فلم أر فيها اسم الأستاذ / علي سعيد ، فنظمت يوم 28 أبريل من العام نفسه قصيدة من بحر البسيط بعنوان ( المعتمد الغائب علي “بن أبي طالب” ) طبعتها على الكمبيوتر وأرسلتها إليه متمنيا له كل مزيد وجديد :-

أشكو إلى الواحد الرحمن والصمد *** الخالق الحيّ لم يولد و لم يَلِدِ

أشكو إليه زمانا كله عجب *** يا خيبة العقل في عصر بلا رَشَدِ

من كل ( معتمدي )الإنقاذ قد هملت*** عيني لأن عليّا غير ( معتمد )

تبكي عليه كما تبكي على حَزَنٍ *** عرين بلدتنا الخالي من الأسد

لم ألق فيك رجالا كنت أعرفهم *** يا مجلس الكامل المنقوص في العدد

كالأريحيّ عليّ ذكره عبق *** يلقاك منشرحا كالطائر الغرد

من كان فيه الندى في الأربعاء يدا *** وكان فيه الهدى في (مجلس )الأحد

ياليتك اليوم ذو مال لكنت به *** بلغت يا ابن سعيد غاية السعد

وسرت نحو سرير المجد مستبقا ***(سبق الجواد إذا استولى على الأمد)

لكنك اليوم في وحل وفي رهق *** من وطأة الدين مثل الداء في الجسد

كم ذقت في (بدر) الحلواء منتصرا *** لكي تذوق مرير المرّ في ( أحُد )

فخالل الصدق لا تركن إلى عدة *** في كثرة الوعد أسباب إلى النكد

لا تيأسنّ فإن الفتح مقتبل *** غدا بمكة أو يلقاك بعد غد

فالجود في الناس محمود عواقبه *** عاش الكريم بلا مال ولا ولد

ثم شخصت إلى أبي ظبي بعدها في أقل من ثلاثة أشهر ، وشاء الله أن تصدق توقعاتي فلم يمض على هذه القصيدة عام أو نحوه حتى جاءه الفتح ، وتبوأ منصبه بمحلية الحصاحيصا عبر معركة من ( المدافرة والمعافرة ) السياسية قصّ عليّ العم / سعيد طرفا منها ، و خلال إجازتي السنوية لعام 2005 جئت ثالث ثلاثة من طابت إلى الحصاحيصا مع الأخوين حسن النور وفضل الله النور حتى وقفنا بسيارتنا عند مكتب السيد / المعتمد فلم نجده ولم نجد الأستاذ / علي سعيد ، وأتحفنا الإخوة المسؤولون بحسن الترحاب والضيافة وتناولنا وجبة الفطور بمكتب السيد المعتمد ، وإن هي إلا لحظات حتى دخل علينا السيد / المعتمد والأستاذ / علي سعيد ورحّبا بمقدمنا أحسن ترحيب .

ثم انطلق بنا الأستاذ / علي سعيد إلى منزله الرحب بالحصاحيصا وانضم إلينا السيد / المعتمد وطائفة من مرافقيه ، وفوجئنا قبل أن نستشار بذبيحة تذبح لإكرامنا ، وأنحينا عليه بشديد اللوم فلم يأبه لنا ، وكعادته دائما وكعادة السيدة / حليمة وبنيها ما من دعوة إلا بالغوا فيها في الإكرام ،وأبدعوا في السيناريو والمونتاج والإخراج ، جلسنا بعد الغداء جلسة مفعمة بنكاته ، ولعلي من أعلم الناس بعجائبه وغرائبه، وبعباراته وإشاراته ، ومن أعرفهم ( بفاولاته ) و ( ضربات جزاءاته ) ، ثم ودعنا السيد / المعتمد ومرافقيه ، و دلفنا خارج المنزل ونحن نودع الأستاذ / علي سعيد وبنيه ، عند السيارة ألقيت عليه بيتين لأبي الطيب المتنبي فناني وفنانه المفضّل :-

فَيا عَجَباً مِن دائِلٍ أَنتَ سَيفُهُ *** أَما يَتَوَقى شَفرَتَي ما تَقَلَّدا

وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازاً لِصَيدِهِ *** تَصَيَّدَهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا

تتمة هذا المقال تأتي في مقال آخر نتطرق فيه لعجائب العم / أحمد ناصر وغرائب الأستاذ / علي سعيد بعنوان ( بين الدكّة والعبلانج ) ، يأتيكم بمشيئة الله بعد مقالنا التالي الذي بعنوان ( من نمير أيّوب وحفير يعقوب ) .

محمد الطيب قسم الله

السفارة السودانية – أبوظبي

14/6/2007

ملحوظات :-

– أود الإشارة إلى أنني أكتب هذا المقال عند انتها ء فترة عملي بأبي ظبي المقررة سلفا بأربع سنوات ( 2003- 2007 ) ، وهي فترة حبيبة خصيبة نالني فيها من التوفيق – بفضل الله – حظ عظيم في مجالات شتى لعلي أستعرض بعضها في مقالات لاحقة ، وأقيمت لي خلال يونيو الجاري حفلات وداعية أخوية متنوعة على المستويين الرسمي والشعبي ، استهلت الوداعات الرسمية أسرة السفارة بوداع أقامته بمنزل السيد السفير ، ثم وداع أقامته المستشارية الاقتصادية ، وأجرت معي أسرة تحرير مجلة ( السودان الاقتصادي ) الشهرية التي تصدرها المستشارية لقاء مطولا بهذه المناسبة ، وعلى صعيد الوداعات الشعبية نظم (المؤتمر الوطني ) بدولة الإمارات لي وداعا طيبا ، كما نظمت الجالية السودانية بالعين وجامعة الإمارات بمقر النادي السوداني بالعين وداعا شعبيا حافلا ، و ستقيم الجالية السودانية بأبي ظبي خاتمة الوداعات يوم 27 من هذا الشهر بمقر النادي السوداني بأبي ظبي ، وفي وقت سابق من هذا الشهر أقامت جمعية نساء السلك الدبلوماسي بالسفارة وداعين متتالين بمنزل السيد السفير لحرمي السيدة / سناء إدريس إبراهيم ، وأبت برامج تلفزيون السودان إلا أن تشارك في مراسم الوداع فزارتنا بالمنزل الأستاذة الإعلامية ليلى مهدي وطاقمها وأجرت معي وأسرتي مقابلة تلفزيونية ستبث في وقت لاحق ، وسأسافر برفقة أسرتي إلى الخرطوم بمشيئة الله يوم 28 يونيو الجاري لأواصل نشاطي الدبلوماسي برئاسة الوزارة ، ولأتابع أيضا دفع عجلة النشاط التنموي بالمنطقة مع المؤسسات الخيرية المختصة بالداخل والخارج .

– بعد ثلاثة أيام استغرقتها عملية التغليف والشحن تحركت بحمد الله حاويتان كبيرتان ( الواحدة أربعون قدما ) من أبي ظبي إلى ميناء جبل علي بدبي يومي 1- 2 مايو الجاري ، و تحركت الشحنة من ميناء جبل علي يوم 6 مايو لتصل إلى بورتسودان في بدايات النصف الثاني من الشهر المذكور ، ومازال الأخوة في منظمة ( مثوبة ) عاكفين على مباشرة إجراءات الشحنة في بورتسودان بالتنسيق مع مؤسسة الزبير الخيرية التي قامت بدفع تكاليف التغليف والشحن وهي حوالي ( ثمانية ألف دولار ) ، ويضطلع بعملية التنسيق الأخ / محمد النور عيسى ، الأخ / علي محمود مصطفى ، الأخ / فضل الله النور عيسى والأخ / عماد أحمد عبد الرحمن .

– المعدات الطبية المذكورة التي من المتوقع أن تفيض في بعض بنودها عن حاجة المستشفى تشتمل على الآتي :-

33سرير مريض كبير ، 19سرير أطفال ، 13مرتبة سريركبير ، عدد كبير من طاولات السراير الجانبية للمرضى ، 100 نقالة خشبية ، 14 سرير طواريء ، عدد من طاولات الطعام المتحركة ، عدد مقدر من أوعية التعقيم ، أجهزة عرض صور أشعة متنوعة الحجم ، 20 منظمات أوكسجين ، 2سرير فحص مختبرات ، 2 طاولة فحص أطفال حديثي الولادة ، 2 كرسي فحص مرضى ، 6 سطل تعقيم ، وحدة تعقيم بالبخار ، 1 حضّانة أطفال كبيرة ، 2 ميزان مواليد جدد ، 4جهاز رفع مرضى هايدروليكي ، 14كرسي عمليات جراحية ، 2 ترلي معدات غيار طبي ، مستلزمات تشخيص ( عظام وخلافه ) ، 7 قائم تحميل أنابيب درب ، 4حمّالات سلندرات غاز ، ومعدات أخرى ومعينات كثيرة متنوعة ( مرفق صورة من الخبر الذي نشره الأخ / بكري الأحمر بصحيفة الخليج الأماراتية حول الشحنة ) .

– الشكر لله أجزله وأكمله ، ثم لجميع من ساهم في هذا الأمر من مبتدئه إلى منتهاه ، وأخص بالشكر الجانب الأماراتي ممثلا في هيئة الهلال الأحمر ، و سفارة السودان بأبي ظبي ، و وفد طابت الزائر إلى الإمارات ممثلا في شخص السيدين فيصل عبد القادر وعلي محمود ، والشكر لأسرة مستشفى طابت من الأطباء ومن الكوادر الصحية برئاسة الدكتور/ عبد الله علي بابكر المدير الطبي بالمستشفى ، ولموقع ( ناس طابت ) الإلكتروني الذي لم يدخر وسعا في إبراز هذا النشاط الطابتي الهام ، و لمنظمة مثوبة الطوعية ولمؤسسة الزبير الخيرية ، والشكر للدكتور / أحمد الأمين الشيخ الذي قام بتزويد الوفد الزائر بقائمة المعدات المطلوبة وساهم في تسهيل الإجراءات بالولاية ، والشكر للدكتور / عبد الله الأمين الشيخ الذي لم يأل جهدا في المتابعة والاهتمام ، وللطابتيين كافة في الداخل والخارج الذين ما فتئوا يتابعون هذا النشاط باهتمام ويشجعونه ويساندونه .

– على صعيد النشاط الخيري – وبمبادرة مني – زارني بالسفارة زيارتي عمل الأستاذ / محمد حسن أحمد البشير- شقيق السيد رئيس الجمهورية – مدير عام منظمة معارج الخيرية ، والتقينا بالمسؤولين في مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية ، والأخ / محمد حسن كان يعمل بمدينة العين لأكثر من عقدين من الزمان وتربطه بي وبطائفة من الطابتيين علاقات ووشائج ، وهو صديق و زميل للدكتور / عبد اللطيف سعيد في مرحلة الدراسة الجامعية ، ويحفظ طائفة من أشعاره التي نظمها في تلك الحقبة ، والأستاذ / محمد حسن كانت له في طابت ذكريات طيبة ، ولا يفتأ يسألني عنها وعن أهلها ، وهو أيضا كاتب أديب له قصة لم تطبع بعنوان ( تلميذ من المدرسة ) تطرّق فيها لذكرياته في طابت في عهد الصبا من خلال فصل بعنوان ( الطاحونة ) حين كان تلميذا بمدرسة صراصر الأولية ، وهو يحكي في هذا الفصل عن ( الطاحونة ) التي كان يتردد عليها في طابت مع رفاقه ، وعن سوقها الكبير بوصفها كانت تمثل آنئذ مركزا تجاريا جاذبا .

– وعلى صعيد النشاط الأدبي قمنا في السفارة بتنظيم ندوة أدبية بمناسبة مرور أربع سنوات على رحيل البروفسير عبد الله الطيب – طيّب الله ثراه – استضافها المجمع الثقافي بأبي ظبي بعنوان ( الاتجاهات النقدية في الأدب العربي : عبد الله الطيب نموذجا ) بتاريخ 17 يونيو الجاري ، تحدث فيها صديقي الدكتور / الصديق عمر الصديق نائب مدير معهد عبد الله الطيب للغة العربية فأجاد فيها وأفاد ، حضرها لفيف من السودانيين والأماراتيين ، و شهدت مداخلات أدبية وتعليقات نقدية ثرّة ، كانت أمسية ممتعة أشاد بجمالها الأنام ، وكانت مسك الختام .

– تنبيه : وردت سهوا بالمقال السابق بعض الأخطاء المطبعية ، من ذلك ورد قوله تعالى ( وإن خفتم ألا تعدلوا ) بالواو والصحيح بالفاء في المواضع الثلاثة ( فإن خفتم ألا تعدلوا ) ، ومن ذلك أيضا ورد اسم ( عمار حسن الطيب ) والصواب هو الأخ الكريم / عمار حسن محمد البشير ، ووردت كلمة ( ما فئت ) في عبارة ( ومنذئذ مافئت ما دمت بوزارة الخارجية ) والصحيح ( مافتئت ) ، وأخيرا ورد ( منذ أكثر من خمس وعشرين عاما ) والصواب ( خمسة وعشرين عاما ) .

 

1,766 زيارة
يناير 152012
 

على جانب شارعنا ( شارع الضباط ) بجوارمنزل الأستاذ / مضوي المقابل لمنزل والده – رحمه الله – كنا جلوسا نتسامر في دردشة يومية قصيرة بعد أن فرغنا من تناول ( موية رمضان ) ، كانت جلستنا الرمضانية تلك هي الأولى من بداية الشارع من جهة المشرق ، تليها جلسة رمضانية ثانية مجتمعة لدى دكان إمامها ( حاج الطيب الصافي ) رحمه الله ، ثم جلسة ثالثة أمام منزل الجد المرحوم / الصادق عبد الجبار ، ثلاث جلسات رمضانية بذلك الشارع كن حوافل بمعاني التواصل والتكافل التي ما انفكت تشيع في ربوع ذلك الحي ، فضلا عن جلسات أخرى بشوارعه المتأرّجة بنكهة ( الحلو مُر ) أو ( الآبري ) ، كان الناس – وما زالوا – في بقاع السودان ولاسيما في الجزيرة وطابت يجلسون في الطرقات جلسات جماعية في رمضان يشربون أشربته ويطعمون أطعمته ، كجلستنا تلك التي كنت عليها مثابرا منذ مطلع السبعينات وأنا ابن بضع سنين ، وكان من أبرز رموزها جدي قسم الله رحمه الله ، الجد المرحوم / سليمان فضل الله خوجلي ، الأستاذ / مضوي ، الأعمام أولاد أب جولة علي وبشير رحمه الله ، الأخوان : محمد أحمد و خوجلي ابنا بشير ، والأخ / الضو علي محمد أب جولة عليه وعلى من استأثر الله به ممن قبله رحمة ربي ورضوانه .

لم نكد نفرغ من دردشتنا في جلستنا الرمضانية تلك التي كانت في أواخر شهر يونيو من عام 1984 حتى أخذ جدي عصاه ودلف إلى منزله ، ثم طفق بقية القوم ينصرفون مثنى وفرادى لينعموا باتكاءة واسترخاءة ينالون فيها حظهم من القهوة والشاي ثم يتهيأون لصلاة التراويح ، ومضت خلال ذلك دقائق قبل أن يعلو صوت مذياع العم علي ود أب جولة كعادته إيذانا ببدء مسلسل ( الدهباية ) الإذاعي واستهلالا بلحنه الغنائي المميز ، وكان من أكثر الناس مثابرة على متابعة المسلسلات الإذاعية وعلى الاستماع إلى القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية ، ثم انتهى المسلسل وكأن نشرة أخبار أم درمان قد بدأت فإذا الأستاذ / مضوي يدخل علينا بغتة ينبئنا بأن العميد طيار عثمان عبد الرسول الضو قد استشهد ، ينعى إلينا شقيقه وصديقه ورفيقه الذي طالما زرته في رفقته بمنزله بوادي سيدنا وجلسنا معه ومع أولاده جلسات طيبات ، توفي الشهيد / عثمان وهو على متن طائرته يؤدي واجبه بالجنوب دفاعا عن الوطن ، غير أن الإذاعة السودانية التي كان الأستاذ / مضوي أول من سمع عنها النبأ زعمت أن طائرته سقطت بسبب ( زوابع رعدية ) ، وفي صبيحة اليوم التالي من رمضان هرع جماعات من الأهل إلى شمبات يؤدون واجب العزاء لأولاده وأسرته ، ثم آبت بطائفة منهم طائرة هليكوبتر حطت بعد صلاة العصر قريبا من مقابر المدينة وكان على متنها العم / محمد عبد الرسول رحمه الله ، العم / علي ود أب جولة والعم / مضوي ، وطائفة أخرى معهم من كبار الضباط زملاء الشهيد جاءوا يعزون والدته وأهله بطابت ، كم كانت أياما حالكة مفعمة باللوعة والأسى قضيناها ونحن يومئذ في أخريات المرحلة الثانوية .

يومئذ أخذت يراعي وأنا في ذروة التياعي فنظمت قصيدة في رثاء البطل العميد الشهيد رحمه الله وتقبل جهاده واستشهاده ، قصيدة من بحر الكامل مدونة بديوان شعري قلت في استهلالتها :-

لا خير في الدنيا وإن طال المنى *** والفقر يقتل سيفه جيش الغنى
والموت ينقد والأنام دراهم *** لا يرتضي الدرهام إلإ صينا
كم في المقابر من بدور عندهم *** تركت مقابر من بيوت عندنا
نحن الألى سلب الزمان بدورنا *** حتى أتانا اليوم يسلب شمسنا
عثمان من أرضى الوجوه بجوده *** وبحسنه الدُرّيّ أرضى الأعينا
الهِبرِزِيَّ العبقريّ صنيعه *** والشمّريّ الأَريَحِيَّ الهينا
الأصمعي ّ اللوذعيّ جنانه *** والجَهوَرِيّ الأزهريّ البينا

كان الجد/ عبد الرسول الضو رحمه الله شجاعا أريبا ، منحه الله صوتا جهوريا رطيبا ، وكان – فيما بلغني – يرجو حين كان عثمان صبيا أن يكون ابنه في مستقبل العمر أديبا ، ومضت الأيام وعثمان يسير في مشوار دراسته من نجاح إلى نجاح ، ويخرج من فلاح إلى فلاح ، إلى أن ولج في مجال الطيران الحربي ليكون ثاني اثنين هما أمهر الطيارين في جمهورية السودان ، وليحصل في هذا المجال على دراسات ومؤهلات متميزة في طائفة من البلدان ، وليكون أيضا ثالث ثلاثة طيارين طابتيين تبدأ أسماؤهم كلهم بحرف العين هم كوكبة طابت من شهداء الطيران ، أعني الشاعر / عوض بلال وهو طيار مدني و عمر السماني الأمين وعثمان الضو وهما طياران حربيان، ولعل الله قد استجاب للجد /عبد الرسول ولرجائه ودعائه فوق ما وهبه من جلائل المواهب في ابنه عثمان ، فتجسدت رغبته وأمنيته الأدبية في ابن أخيه مضوي ليكون إماما في الأدب و العقيدة والفقه وعلوم التاريخ و العمران .

لم يفتأ الأستاذ / مضوي يرتقي مراقي العلم في مدارسه ومعاهده إلى أن التحق بالأزهر الشريف ليكون أول طابتي أزهري ينال منه شهادة جامعية مرموقة ، وكان خلال سنوات دراسته الأزهرية مواظبا كل المواظبة على حضور صالون العقاد الأدبي الأسبوعي ، إذ كان ينعقد في كل جمعة صباحا بمنزله رقم (13) الكائن بشارع السلطان سليم بمصر الجديدة ثم يستمر إلى قبيل وقت صلاتها ، وكان العقاد – كما يقول الأستاذ / أنيس منصور- على عكس خلق الله يتفاءل برقم ( 13 ) ، ويتفاءل بالبومة ، ولا يتشاءم من الكتابة عن الشاعر ابن الرومي الذي أهلك كل الذين كتبوا عنه ) ، وكما يقول أيضا ( وعندما انتقلت من المنصورة إلى القاهرة انتقلت إلى جامعتين في وقت واحد : جامعة القاهرة وجامعة العقاد ، وكانت جامعة العقاد أقرب وأعمق وأعظم ) ، وكذلك نهل العم / مضوي – حفظه الله – من جامعة أستاذه العقاد كما نهل من جامعة الأزهر فإذا هو من فراتهما العذب جدُّ ريّان ، ما أكثر ما حدثني عنهما ببراعة وبلاغة وبيان .

كان الأستاذ/ العقاد – كما حدثني الأستاذ / مضوي – طويلا جميلا جهير الصوت ، شجاعا سخيا كأحسن ما يكون السخاء ، وكان يرتاد صالونه الأدبي رواد من مذاهب ومشارب شتى ، يغوص بنا في أعماق الفلسفة والأدب والتاريخ والأديان ، ويبحر بنا في كل علم وفن ولسان ، وكان إذا مرض شخّص داءه بنفسه من قبل أن يأذن للأطباء في علاجه ، ولقد مرض ذات مرة فلم يأبه لمن نصحوه الاعتناء بصحته فقيل له ( إن طه حسين قال : لو كانت له زوجة لأجبرته على ذلك ) فقال العقاد ( و لذلك لم أتزوج ) ، لم نزل نسمعه في صالونه مهاجما لطه حسين وغيره من أساتذة الجامعات الذين يراهم يحملون من الألقاب مالا يحملون من الألباب ، كان أبيّا قويّا لايخشى في الحق لومة لائم ، لما اختلف الرئيس عبد الناصر مع السوفيت أرسل إليه مبلغا كبيرا من المال مع أحد المسؤولين طالبا منه أن يكتب كتبا ينتقد فيها الشيوعية ويذكر مساوئها ، فعنّفه العقاد وردّ إليه المال مغضبا وقال له ( لقد كنت أكتب عن الشيوعية وعبد الناصر عيّل صغير! ) ، وذات يوم ونحن في صالونه سأله أحد الحاضرين قائلا ( من أخطب الناس ؟ ) فقال ( أخطب الناس سعد زغلول ) فقال ( نقصد في هذا العصر ؟ ) فقال العقاد مرة أخرى ( سعد زغلول أخطب الناس في هذا العصر أيضا ) فإذا برجل آخر يسأله ( وعبد الناصر يا أستاذ ؟ ) فأجابه العقاد ( هذا خطيب سُوقة ) ، قالها العقاد وما كان ليخشى إن كان في جلسائه مدسوس أو جاسوس من مخابرات الرئيس ، بذلك كله حدثني الأستاذ/ مضوي عن أستاذه عباس محمود العقاد بأحسن تصوير واستطراد .

وكان الأستاذ/ العقاد على شدته وحدته – كما يفيد الأستاذ/ مضوي – ظريفا لطيفا يبث بين الفينة والفينة روح المزاح والدعابة في أرجاء صالونه ، نظر يوما إلى أحد جلسائه فرأى أن لحيته بدأت تطول ، فسأله العقاد مازحا ( يا شيخ الدقن دي فنية ولاّ سُنية ؟ ) ينطق كلمة ( الدقن ) بالدال المفتوحة وبالقاف المصرية التي هي هنا همز ساكنة ، فأجابه الجليس ( لا يا أستاذ ، طبعا فنية ) ، هذا يذكرني بقول رجل من الخشوماب يسكن النجاضة قريبا من منزل الأستاذ / مضوي ، كان يقول لي إذا رأى رجلا ذا لحية قصيرة ( دقن الزول داك معناها : دعونا نعيش ) ثم يشير إلى لحيته التي كان فيها طول قائلا ( لاكين دقني دي معناها : معاكم لي الطيش ) يقصد الإسلاميين في حكومة الإنقاذ ، كنت أضحك حين أسمع منه ذلك الوصف ثم أنصرف .

للأستاذ العقاد تلامذة مشاهير في مقدمتهم الأستاذ الشهيد / سيد قطب المفكر الإسلامي الكبير وصاحب التفسير الشهير ، لقد أثرالعقاد كثيرا على المسار الأدبي والنقدي والحزبي لسيد قطب ، وكانت بينهما علاقة مميزة ، وتأثر العقاد الذي لم يكن على وئام مع جماعة الإخوان المسلمين بالمنهاج الإسلامي الذي أسسه الشيخ / جمال الدين الأفغاني وكان به معجبا وبتلميذه الإمام / محمد عبده رحمهما الله ، وكان يحتفظ للأخير بصورة فوتوغرافية معلقة على جدار صالونه كما أخبرني الأستاذ / مضوي ، وتأثرت حركة الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام الشهيد حسن البنا من بعد بنهج الإمامين زعيمي الإصلاح ، وانبثقت منها – بلغة العم / محمود شيخ محمد – جميع الحركات الإسلامية المعاصرة ، و اقتبست من قبساتها وأدبياتها في العالمين السني والشيعي بوصفها أول حركة إسلامية تشارك في الجهاد ضد الصهاينة في فلسطين ، فلا غرو إذن أن يتأثر بها الأستاذ / مضوي أيام دراسته بمصر ليعود إلى الوطن فيكون في طليعة مؤسسيها بطابت .

ومن حسن البنا إلى حسن نصر الله ، ذلك البطل الذي حطّم وإخوانه أسطورة الجيش الذي لايقهر بجهاد وكفاح لحزب صغير متواضع السلاح ، وبصمودهم المستميت في حربهم ضد بني إسرائيل لأكثر من شهر يضرب اللبنانيون مثلا فريدا في فن القتال والاستبسال ، يفرضونه على الناس مثلما فرضوا ذوقهم من قبل في فنون المال والأعمال والجمال ، ومثلما فرضوه في فنون الإعلام والهندام والطعام ، ولبنان رغم ذلك دويلة صغيرة لايكاد يتجاوز عدد سكانها بضعة ملايين من الأنام ، وهي من البلدان التي لم تزل منقوشة في الذاكرة مني والوجدان ، ولعلي لا أنسى أول زيارة قمت بها إليها في 1999 يوم التقيت مصادفة بالأستاذ / يس عمرالإمام بمنزل السفيرالسوداني بدمشق سعادة / عبد الحافظ إبراهيم ، وكانت وجهتي ووجهة الأستاذ / يس يومئذ هي بيروت ، فترافقنا معا إليها تقلنا سيارة دبلوماسية انطلقت بنا على الطريق السريع حتى بلغت نقطة المصنع الحدودية ، ثم سارت بنا سيرا تشق سهل البقاع لترتقي رويدا رويدا إلى جبل لبنان ، ومن ثم إلى السفارة السودانية التي شخصت منها إلى مقر إقامة السفير السوداني ببيروت سعادة / مصطفى كاب الرفيق ، كانت رحلة ممتعة ليوم واحد ولكني شفعتها بأخرى ترافقني زوجي في شهر يونيو 2001 قادمين إليها من دمشق في أيام الزواج الأولى ، حيث أقمنا ببيروت الغربية المطلة على البحر الأبيض المتوسط بضعة أيام ، ألا ما أجملها من مدينة ساحرة باهرة .

وفي بيروت أيضا أشرف أخي وصديقي السيد / أحمد التجاني محمد سوار القنصل بسفارتنا بها على طباعة مسودة ديوان شعري ( أريج الخُزامى ) ، إذ بعثت بها إليه من باريس في مطلع العام 1994 فإذا هي بفضل إشرافه طبعة زاهية راقية ، بيد أن علاقتي غير المباشرة بلبنان تسبق ذلك كله بأمد بعيد ، فما أكثر ما قرأت ما صدر عنها من كتب و معاجم و تراجم ، ولما غزا جيش الاحتلال الإسرائيلي لبنان في العام 1982 لإخراج الرئيس ياسر عرفات و منظمة التحرير الفلسطينية منها عنوة وقسرا كنت يومئذ طالبا بالسنة الأولى بالمرحلة الثانوية ، فنظمت قصيدة من بحر الوافر بعنوان ( لبنان الجريح ) تطرقت فيها لما اقترف البغاة في حق هذا البلد الشقيق من الجرائم والعظائم ، وقلت في مطلعها :-

هزار الأيك يبكي والغواني *** فما في أيكه من أقحوان
وما تركوا له ماء فراتا *** ولكن كل أبيض فيك قاني
لبينانٌ وكنت من العذارى *** فشخت اليوم من محن الزمان

الأستاذ / فراج الطيب السراج رحمه الله رجل أديب عالم باللغة والشعر ، وهو شبيه بالأستاذ / العقاد من حيث إن كليهما عصاميّ ثقّف نفسه بنفسه ، كما أن لكليهما صالونا أدبيا منتظما اعتاد على إقامته بمنزله ، والفرق بينهما يتمثل في أن ثقافة الأول لغوية عربية محضة بينما ثقافة الثاني جامعة أدبية وعلمية ، لم أك مرتادا صالون الأستاذ/ فراج الأدبي ولكني أحسب أن الأخ / هادي الصادق عبد الجبار كان ممن يشهدونه ، غير أنني كنت مثابرا على حضور لياليه الأدبية بالجامعة ، فضلا عن متابعة برامجه الإذاعية والتلفزيونية لاسيما ( لسان العرب ) و ( مع أدباء الشباب ) الذي كان يستضاف فيه من قبل الأستاذ / حامد عبد الرؤوف ، وفي تلكم الحقبة من عقد الثمانينات قدّم الأستاذ/ فراج عبر البرنامج الأخيرشرحا أدبيا وعرضا نقديا في حلقتين منفردتين لقصيدتيّ الاثنتين ، أعني قصيدة ( لبنان الجريح ) وقصيدة ( البطل الشهيد ) في رثاء المرحوم / عثمان عبد الرسول ، فحظيت القصيدتان منه حينئذ بتقريظ وثناء جميل ، ولقد كان العادلان من أشد الناس إعراضا عن برنامج ( لسان العرب ) ، أقصد عادل الطيب الكندي وعادل علي عبد الدافع ، وكانت لهما بقالتان متجاورتان ، فإذا سمعا الأستاذ / فراج الطيب يستهل ليلا برنامجه بصوته الجهوري قائلا ( أنتم على موعد مع برنامج … ) أسكتا المذياع في آن واحد قبل أن يبلغ عبارة ( لسان العرب) ، وما كانا ليعودا إليه حتى يستيقنا منه بذهاب ، كأنهما بهذا المسلك يقولان له ( قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) ، كم كان هذا المشهد يتكرر أمام ناظريّ مرات في الشهر فأضحك منه في عجب عُجاب .

مؤلفات العقاد من العبقريات والإسلاميات والأدبيات تنبيء عن رجل عظيم ذي عبقرية وثقافة موسوعية ، ( حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ) ،( ما يقال عن الإسلام ) ، (اللغة الشاعرة ) ، ( التعريف بشكسبير ) ، وغيرها من مؤلفات له نيرات ، وكتب قيمة أخرى لأئمة المفسرين والمحدثين والمؤرخين والأدباء والمفكرين ، ذلك كله كنا نعكف عليه في تلك الحقبة في (مكتبة الأستاذ / مضوي) ، و كانت له مكتبتان بمنزل والده رحمه الله ، إحداهما جاء بها في الستينات من مصر والثانية جاء بها في الثمانينات من السعودية حيث كان يعمل أستاذا بالمعهد الثانوي بالمدينة المنورة ، ما أكثر المثقفين الذين كانوا يزورون الأستاذ/ مضوي بمنزله لدى عودته يستلفون منه الكتب ويسألونه عن رأيه فيما يقرأون كالسيد / الطيب الدابي والأستاذ / مبارك زين العابدين والأستاذ/ علي سعيد ، و كالأستاذين / خوجلي بشير وعبد الكريم بشير حجاج وغيرهم ، لقد كان لمكتبة الأستاذ/ مضوي نصيب كبير في إرساء دعائم حقبة التنوير الثقافي الطابتي التي ازدهرت طيلة عقد الثمانينات والتسعينات ، ومن المكتبات العامة غير التجارية التي ساهمت في ترسيخ هذه الحقبة (مكتبة جمعية التضامن الإسلامي ) و (مكتبة نادي العمال) التي أسسها الأستاذان محمد مرحوم ( أيوب) وعلاء الدين مبارك النور، ولا أنسى تلك الزيارة التي قمنا بها في وفد من جمعية التضامن في شطرالثمانينات إلى تلك المكتبة والاجتماع الذي عقدناه مع مؤسسيها ، أما المكتبات التجارية التي ساهمت في نشر الثقافة فهي مكتبة العم / حبيب عبد الرحيم التي كانت جانبا من بقالته بالسوق تخصص خلال عقد السبعينات في بيع الصحف اليومية كصحيفتي ( الصحافة ) و (الأيام ) ، ثم (مكتبة العرفان ) ، و(مكتبة أولاد علي حمودة ) ، و(مكتبة عمار الهادي النزل ) ، ولقد كان لهذه الثلاث دورها الثقافي خلال عقد التسعينات .

اعتاد ثلاثتنا- خوجلي و غالب وشخصي – أن نجلس جميعا بمنزل جدي رحمه الله في غرفة زاخرة بقسم من مكتبة الأستاذ/ مضوي ، ما أكثر ما كنا قارئين ومتفاكرين ، و لعلي أذكر ذلك اليوم الذي كان يجالسني فيه الأخ / غالب فأخذنا معا في حديث أثيث عن العصر الأدبي الذهبي بقيادة وريادة العقاد ورصفائه ، فارتجلتُ بيت شعر من بحر المتقارب جاءني عفو الخاطر :-

تذكّرت طه وروض العصامي *** وشوقي وشكري وصالون مي

فرد علي ّ غالب مرتجلا بيتا من نفس البحر والقافية :-

كذا المازنيّ و ميخائلا *** فسحّت دموعي من مقلتي

المقصود بقولي ( روض العصامي ) أي (صالون العقاد) ، وقوله ( مقلتي ) بفتح اللام والتاء وسكون الياء ، وكان للآنسة مي زيادة صالون أدبي بمنزلها بدأته في مايو 1913 عُرف بكونه أشهر صالون أدبي شهدته بدايات القرن العشرين ، وهي مسيحية ولدت في فلسطين من أب لبناني وأم سورية وعاشت بمصر حيث كانت بينها وبين العقاد صلات ومراسلات ، وحيث كان يرتاد صالونها أدباء عظماء منهم العقاد وأحمد شوقي وطه حسين والرافعي وخليل مطران وغيرهم .

المرأة تمارس الطهي ولكن أشهر الطهاة في العالم من الرجال ، والمرأة تبكي وتلطم خديها بسبب وبغيرسبب ولكن أعظم المراثي في الشعر العالمي هي التي نظمها الرجال ، وهي تلد منذ مئات الألوف من السنين ومع ذلك فليست في النساء طبيبة ولادة عبقرية ، و رغم أنها ترتدي الملابس وتخلعها إلا أن أشهر مصممي الأزياء في العالم هم من الرجال ، ذلك هو رأي العقاد الذي يرى أن الرجل متفوق على المرأة في كل شيء وفقا لرواية الأستاذ / أنيس منصور في كتابه القيم ( في صالون العقاد كانت لنا أيام ) ، ومن العجيب أن من انتحر يوم وفاة العقاد كانت امرأة ولم يكن رجلا ، كانت فتاة في السابعة عشرمن العمر ، ولقد عاش الأستاذ إلى يوم رحيله دون زواج ، شأنه في ذلك شأن طائفة من العلماء الذين رهنوا حياتهم كلها للعلم أوالدعوة ولم يتزوجوا قط حتى مضوا لسبيلهم كالإمام الطبري والإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة الزمخشري والسيد جمال الدين الأفغاني ، غير أن العقاد رغم انصرافه عن الزواج لم ينفك يتطرق للحديث عن زيجات العظماء والزعماء ، حدثني الأستاذ / مضوي أن الأستاذ / العقاد علّق يوما ونحن في صالونه على الحديث الشريف أن النبي ” ص” ( نكح عائشة وهي بنت ست سنين ثم دخل بها وهي بنت تسع سنين ) قائلا ( لا لا ، الرسول جنتلمان مُش ممكن يعمل كده ! ) ، فاعترضه أحد الحاضرين ( لكن يا أستاذ هذا الحديث في صحيح البخاري ) ، فما كان من العقاد إلا أن هاجم الإمام البخاري وانتقده نقدا شديدا ، ولعل هذه من العقاد زلّة ، إذ أن تحديد العمر في هذا الأمر مرجعه هنا – فيما أحسب – إلى اختلاف في العادات والتقاليد لا إلى ضعف في المتون والأسانيد ، و أمهاتنا وجداتنا كن يتزوجن في أعمار مبكرة يبلغن فيها مبلغ النضج والاستعداد لتحمل المسئولية وأعباء الزواج ، أما الفتيات في هذا العصر فيتزوجن وهن في العقد الثالث أو الرابع من العمر بسبب طول المشوار التعليمي أو الارتهان الوظيفي .

الأستاذ / مضوي إذا أبحر بك في علم من العلوم فحديثه ينساب إلى أعماق الوجدان له مذاق لذيذ ، وإذا أنشدك من شعره قصيدة فهو شاعر خنذيذ ، ورغم أنني قرأت في بدايات الثمانينات ( سيرة ابن هشام) كلها وهي أربعة مجلدات ، وزاولت تدريسها من أولها إلى آخرها للشباب والفتيات في جمعية التضامن عدة مرات إلا أنني كنت حينما أجلس إلى الأستاذ / مضوي ويحدثني مثلا عن ( خبر الإفك ) ، أوعن مشهد من مشاهد غزوة أحد فإنه يتحفني بآفاق مشرقة من فقه السيرة ، وكانت له في التاريخ وعلم الاجتماع اجتهادات جديرة ، أخبرني ذات مرة أن أهل السودان تأثروا بأهل المغرب والأندلس في عاداتهم وعباداتهم أكثر من تأثرهم بجيرانهم المصريين ، وأن ليس أدل على ذلك من أن السودانيين يتبعون المذهب المالكي الذي أخذوه عن المغاربة والأندلسيين ولا يتبعون المذهب الشافعي السائد في معظم الديار المصرية ، كما أن نساء السودان يلبسن ثيابا بيضا لدى تربصهن في فترة الحداد على أزواجهن تماما مثلما تفعل نساء المغرب والأندلس ، أما نساء المصريين وغيرهن فيلبسن ثيابا سودا ، وفي مدريد كان قنصل السودان الفخري يومئذ السيد / خوسيه لورينثو الذي دعاني وزميليّ الطابتيين إلى اجتماع بمكتبه ثم إلى جلسة بمقهى أسباني ، كان يحدثنا عن ملمح من ملامح التاريخ الأندلسي القديم وأثره على السودان حديثا شبيها بحديث الأستاذ / مضوي .

في حنتوب الجميلة مكثت شهرا ونيفا من إجازة سنوية صيفية قضيتها في النصف الثاني من السبعينات بمنزل الأستاذ / مضوي الرحيب والرطيب بين حديقة غنّاء ذات أشجار وثمار ، كم كان ( رفّاص ) عم عبدو يعبر بنا النيل الأزرق جيئة وذهوبا ما شرقت شروقا أو غربت غروبا ، ولقد تعرّفت آنئذ إلى طائفة من الأساتذة بمدرستها الثانوية العريقة كانوا من أصدقاء الأستاذ / مضوي وزملائه كالأستاذين / الجيلي مضوي وأحمد الطيب رحمهما الله ، ثم مضت الأيام والأعوام فإذا الأستاذ / مضوي يأتي بين حين وحين لزيارتي بمجمع داخليات البركس في بدايات النصف الثاني من الثمانينات لمتابعة إجراءات إعادة تعيينه بالوزارة في أعقاب عودته النهائية من السعودية ، وفي ذلك اليوم أتاني حزينا و نعى إليّ صديقه قائلا ( توفي الأستاذ / الجيلي مضوي ) – أظن أن وفاته كانت إثر حاث حركة – رحمه الله كان أشبه الناس بالأستاذ / مضوي في هيئته وصورته ،ولقد رثاه الأستاذ / مضوي يومئذ بقصيدة مفعمة بالحزن نشرتها صحيفة ( ألوان ) ، ثم مضت الأيام والأعوام فإذا بي في فندق ( هيلتون ) بالخرطوم أجالس صديقي وزميلي الدبلوماسي الأخ / أحمد يوسف محمد قنصلنا الحالي بسفارتنا بالرياض ، وهو من قرية ( قوز الناقة ) التي لم تنفك تربط أسرتي وبعض الطابتيين وشائج بطائفة من أهلها ، كنا نجلس معا في بدايات التسعينات في إحدى غرف الفندق حيث كنا مرافقين لوفد أجنبي زائر ، فأخذنا نتحدث عن شئون اجتماعية تتعلق بالزواج وكيفية اختيار شريكة الحياة ، كان كلانا عازبا ولم يخل حديثنا يومئذ من طرائف ومواقف ، ثم لم يمض عام أو عامان على ذلك الحديث حتى تزوج الأخ / أحمد يوسف بالأخت / عزة ابنة الأستاذ / الجيلي مضوي رحمه الله ، وفي النصف الثاني من التسعينات وأنا في رومانيا اتصل بي الأخ / أحمد يوسف هاتفيا من نيويورك حيث كان يعمل دبلوماسيا ببعثتنا الدائمة بها راجيا مني استقبال زوجه وطفلها مازن بمطار بوخارست إذ كانا مسافرين عبره إلى أمريكا ، فقمت باستقبالهما كما ينبغي ، ألا ما أوسع هذا السودان وأضيقه ، وحمدا لله الذي وهبنا وطنا مثله واسعا ضيقا ، واسعا بمساحته ضيقا بعلاقته .

علاقة الأستاذ / العقاد بالسودان والسودانيين قديمة وحميمة ، كان محبا للأديب السوداني الأستاذ / معاوية محمد نور الذي كان يكتب في الثلاثينات مقالات في الصحف المصرية مثل ( الرسالة ) و ( السياسة الأسبوعية )، ولكن ما لبث أن انفجر عقل معاوية وانطفأ سريعاً فرثاه العقاد وقال عنه: «لو عاش معاوية لكان نجماً مفرداً في الفكر العربي» ، وفي الثلاثينات أيضا وقف العقاد وقفة قوية بآرائه وكتاباته التي صدع بها ضد النازية والفاشية ، ولما طفقت الحرب العالمية الثانية تدق طبولها وأوشكت جيوش النازيين والفاشيين أن تصبح على مرمى حجر من مصر قرر العقاد السفر إلى السودان ليكون في مأمن بين أهله, وهنالك وقف الأستاذ على آفاق المناخ الأدبي والسياسي بالخرطوم وكانت له مع السودانيين مقابلات ومساجلات ، وفي صالونه في الخمسينات وحقبة من الستينات كان العقاد – كما يفيد الأستاذ / مضوي – يصف السودانيين بأنهم شعب يتسم بصدق الحديث و يصف المصريين بأنهم لا يحترمون أمانة الكلمة ، قال ( إذا ذهبت إلى سوق الخضار عندنا فإنك ترى بائع الخضار يصيح بأعلى صوته تعال للتفاح ، تعال للرمّان ، وإذا وصلت إليه علمت أنه يقصد البندورة التي يسوّقها ) ، وقال ( ذهبت يوما إلى سوق الخضار بأم درمان ) ينطقها بضم الهمز والميم الأولى والدال والراء مع تفخيم الراء ( فوجدت بائع البصل يقول:-

بيع البصل بي ما حصل
المنّ الله بتصل

قالها بلهجة سودانية ، و ( بيع ) فعل أمر بكسر الباء وسكون الياء ، وذكر لي الأستاذ / مضوي أن أحد السودانيين الحاضرين بالصالون قال للعقاد يوما محتجا : إن الأستاذ / أحمد أمين كتب كتابه ( زعماء الإصلاح في العصر الحديث ) فتطرق لعشر من الزعماء الإصلاحيين في الوطن العربي والإسلامي ولكنه لم يذكر فيهم الإمام المهدي الذي فجّر ثورة دينية رائدة انتصرت ضد الاستعمار ، فحظي قوله باهتمام العقاد ووعده خيرا ، كما حظي شعر الطالب السوداني بمصر السيد / بريمة باستحسان العقاد ، يوم ألقى في محفل قصيدته الدالية التي من بحر الكامل في مدح العقاد فطرب لها طربا عظيما ، حتى إذا بلغ بيتا فيها يقول :-

ضنّ الزمان فما يجود بمثله *** ضن المقتّر حين قل الزادُ

نهض العقاد وأكبّ على الشاعر واضعا يده اليسرى على كتف الطالب / بريمة ومحركا يمناه تأييدا وتأكيدا وهو يقول ( والله إنك لشاعر ، والله إنك لشاعر ، والله إنك لشاعر ) ، ثم دار الزمان دورته وأصبح السيد / بريمة في التسعينات أستاذا للغة العربية بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأم درمان ودرس على يديه طائفة من الطابتيين الذين تخرجوا فيها .

العقاد شاعر جليل ولشعره جرس جميل ، وكذلك لشعر طوائف من الشعراء السودانيين والطابتيين ، نلحظ في شعره لونا من الموسيقى اللفظية كما في قصيدته ( شذا زهر ولا زهر ) ، ونلحظ أيضا في أشعار بعض شعراء طابت ملمحا من فن ( الجناس الحرفي ) كما في قول الأستاذ / محيي الدين الفاتح :-

إليكِ أعودُ يا أغرودة الصبحِ
إلى ساحاتكِ النشوى و ساعاتِ اللقا السمحِ
و نسماتٍ تهب مع قدوم الفجر
ترقصُ من طلاوتها حقولُ القطنِ و القمحِ

انظر إلى الموسيقى التي تتألف في هذا اللون من الجناس من تتابع الحاءات والقافات والسينات الواردات في هذا المقطع الشعري ، وكتتابع الراءات والخاءات في قول الأستاذ / عصام عبد الباسط في قصيدته العذراء ( اعتذار ) التي هي من بحر المتدارك :-

أم بدرجبينك أدهشه *** بدر من نورك مكتحل
أم نضرة خدك خضّبها *** خفر من خدك ينهمل

والشعر في زماننا هذا يخلد بالتلحين والغناء ما لايخلد بالإلقاء ، فلو قُدّر لمثل هذه القصيدة وما على شاكلتها من الشعر أن تحظى بملحن لكُتب لها السيرورة والبقاء ، وللأستاذ / الطيب السماني قصيدتان : إحداهما سهلة الغرس ، وثانيتهما جزلة الجرس ، أما الأولى فهي ( سمح الخصال ) وفيها جناس حسن كقوله :-

بقدومو طاب لينا المحل *** أروى النفوس بعد المحل

أما الثانية فهي تلك القصيدة التي امتدح بها الأستاذ / الطيب السماني اللواء عمر محمد الطيب النائب الأول للرئيس نميري إبان زيارته الشهيرة إلى طابت قبيل منتصف الثمانينات ، استمعت إليها في يوم مشهود بحشد محشود مع جمهورالمستمعين المحتشدين بأكناف المسجد ، كانت كما وصفها الشاعر نفسه قصيدة عصماء ، وكانت مدحة مترعة بحسن الإلقاء والإطراء ، لعله لم يمدح بمثلها قط أحدا من الأموات والأحياء .

لم تكن ثمة مودة بين العقاد وطه حسين ولكن أجواء من التنافس والتنافر ، مختلفان فيما بينهما لكنهما متفقان على نقد الشاعر شوقي والنيل منه ، حدثني الأستاذ / مضوي أن أحد الحاضرين بالصالون سأل العقاد ( من أشعر الناس يا أستاذ ؟ ) فقال العقاد على الفور ( أشعر الناس أبو الطيب المتنبي ) فقال السائل ( أقصد في العصر الحاضر ؟ ) فقال له العقاد ( أبو الطيب المتنبي أشعر الناس في الماضي والحاضر والمستقبل ) ، ولا ريب أن نبوءة العقاد هذه لم تزل تصدق ، فلم يكد يخرج من أرحام النساء إلى يومنا هذا من هو أشعر من أبي الطيب ، وعبارة العقاد الآنفة شبيهة بعبارة ابن الأثير الذي قال في شأن المتنبي ( وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء ، ومهما وُصف به فهو فوق الوصف وفوق الإطراء ، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة : –

لا تَطلُبَنَّ كَريماً بَعدَ رُؤيَتِهِ *** إِنَّ الكِرامَ بِأَسخاهُم يَداً خُتِموا
وَلا تُبالِ بِشِعرٍ بَعدَ شاعِرِهِ *** قَد أُفسِدَ القَولُ حَتّى أُحمِدَ الصَمَمُ

عبارة ابن الأثير ( خاتم الشعراء ) توحي بأنه أبلغ الشعراء كما أن خاتم الأنبياء هو أفضل الأنبياء ، اللهم إني لا أعلم شاعرا مثله ، و لقد كدت أحفظ ديوانه كله في شطر الثمانينات فليس من شاعر مثله في حسن المطالع وحسن المقاطع وحسن المخالص ، أما عبارة ابن رشيق التي سارت في الناس كما سار شعر أبي الطيب فهي قوله ( ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس )، ومن العجيب الغريب أن طه حسين كان يبغض المتنبي في حين أن شيخه وأستاذه أبا العلاء المعري كان من عشاق شعر أبي الطيب ومن شراح ديوانه ، وكان يقول ( كأنما نظر إليّ المتنبي بلحظ الغيب إذ يقول :-

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي *** وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

يرى نفسه أنه هو ذلك الأعمى الذي عناه أبوالطيب ، وحدثني شاعر وزميل دبلوماسي أن الشاعر/ الهادي آدم أخبره أنه لا يزال يدعو في صلاته لأبي الطيب ، والمتنبي شاعر شيعي يمني الأصل كان يمدح جهاد بني حمدان ودولتهم الشيعية ضد الروم الكاثوليك ، ولا يمنع ذلك من أن نأتلف معه في الشعر وإن كنا نختلف معه في الفكر ، ولم يفتأ الناس من عرب وعجم يرددون أشعاره وأمثاله وحكمه ،ولقد صدق حين قال :-

وَما الدَهرُ إلا مِن رُواةِ قَلائِدي *** إِذا قُلتُ شِعراً أَصبَحَ الدَهرُ مُنشِداً
فَسارَ بِهِ مَن لا يَسيرُ مُشَمِّرا *** وَغَنّى بِهِ مَن لا يُغَنّي مُغَرِّدا

أعربت لي سيدة رومانية كانت طالبة بقسم اللغة العربية ببوخارست عملت معنا في ترجمة معاني القرآن الكريم للغة الرومانية عن إعجابها الجمّ ببيت المتنبي :-

فَالخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني *** وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

وكذلك أبدى رئيس الوزراء الفرنسي الحالي السيد / دومينيك دوفيلبا إعجابه بهذا البيت حين كان وزيرا للخارجية و أورده بترجمة فرنسية في كلمة ألقاها بجامعة محمد الخامس بالرباط :-

Les chevaux et la nuit et les déserts semés d’embûches
Me connaissent,
Et les combats et les coups, et le papier, et la plume.

أما ريتشارد بيرتون فأورده بترجمة إنجليزية :-

“‘I am known to the night, the wild, and the steed,
To the guest, and the sword, to the paper and reed

ولئن كان هذا البيت سببا في شهرة أبي الطيب فزاد به حياة على حياته فلقد كان سببا في هلاكه ومماته ، ذكر الرواة أن فاتك بن أبي الجهل الأسدي عرض في جماعة مع أصحابه لأبي الطيب الذي كان معه جماعة أيضا فيهم ابنه محسّد وغلامه مفلح ، فاقتتل الفريقان عند الصافية أو دير العاقول ، فلما رأى المتنبي الغلبة عليه فرّ هاربا فقال له غلامه : لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدا وأنت القائل :-

فَالخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني *** وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

فكرّ راجعا فقتل كما قتل ابنه وغلامه ، وكان ذلك سنة أربع وخمسين وثلاثمائة لست بقين من شهر رمضان ، ولعل الله قد استجاب للمتنبي الذي كان يتمنى أن يموت مثل هذه الميتة ، إذ قال في قصيدة نظمها في صباه :-

رِدي حِياضَ الرَدى يا نَفسُ وَاِتَّرِكي *** حِياضَ خَوفِ الرَدى لِلشاءِ وَالنِعَمِ
إِن لَم أَذَركِ عَلى الأَرماحِ سائِلَةً *** فَلا دُعيتُ اِبنَ أُمِّ المَجدِ وَالكَرَمِ

و قبل أن يسير المتنبي إلى بغداد مسيره ذلك الذي قتل فيه كان عند عضد الدولة ملك بني بويه بفارس ومدحه بكافية عصما ء هي آخر ما نظم من الشعر، فتشاءم الملك من بيت فيها يقول :-

وَأَيّا شِئتِ يا طُرُقي فَكوني *** أَذاةً أَو نَجاةً أَو هَلاكا

فيروى أن عضد الدولة قال ( تطيّرت عليه من تركه النجاة بين الأذاة والهلاك ) يعني من إيراده كلمة ( نجاة) بين كلمتي ( أذاة ) و ( هلاك) وقال أيضا ( يوشك أن يُصاب في طريقه ) ، وقال ابن جني ( جعل القافية هلاكا فهلك ) .

لم يكن العقاد من أهل التطيّر- أي التشاؤم – إذ لا طيرة في الإسلام ، على أن الحروف والأرقام تأتي أحيانا بزيادة في الدلالات والأحكام ، ومن عجائب التوافق بين الأزمنة والأرقام و بين حوادث الأنام أن شكسبير ولد يوم 23 أبريل عام 1564 وتوفي أيضا يوم 23 أبريل عام 1616 ، ولما اشتد بالعقاد التهاب المصران الغليظ وأوشك رأسه أن يشتعل شيبا كان يقول لجلسائه بالصالون – كما يروي الأستاذ / مضوي – ( لقد كنت أصعد هذا الدرج وبياضي يتوارى في سوادي ، وأنا اليوم أصعده وسوادي يتوارى في بياضي ) يعني بذلك الشيب ، والدرج بفتح الدال والراء هوالسلّم الذي يرتقيه إلى غرفته بالطابق العلوي ، ثم أدبرت الأيام وصحته تزداد وهنا على وهن ، ورغم أن العقاد الذي يسكن المنزل رقم 13 بشارع السلطان سليم لم يكن يتشاءم بالرقم 13 إلا أن وفاته جاءت يوم 13 مارس سنة 1964 في الساعة الثانية صباحا و13 دقيقة ، والذين زاروه حتى طلوع الشمس كان عددهم 13 كما يروي الأستاذ / أنيس منصور ، و هرع الأستاذ / مضوي الذي كان في نهايات فترة دراسته بالأزهر فإذا هو في طليعة الذين زاروا منزل الأستاذ المرحوم لتقديم العزاء ، ثم حملوا جنازته إلى محطة القطار الذي شخص به إلى مسقط رأسه بأسوان حيث ووري جثمانه الثرى ، ألا رحم الله العقاد بقدر ما بذل لملته وأمته وعروبته ، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، آمين آمين آمين .

ومن صالون العقاد إلى صالون من لون آخر ومقال بعنوان ( في صالون السماني الطيب كانت لنا أيام ) ، أما للحديث عن الحروف والأرقام والأنغام ، وعن أسرارها وأغوارها في كتاب ربنا العلام ، وفي آداب الأعراب والأعجام ، أو في لغات الفصحاء والعوام ، فأرجو أن أجد فسحة في الوقت فأكتب بعون الله وتوفيقه مقالا يتناول ذلك كله بعنوان ( … إلى نقابة النحاة أم نادي الرواة ؟ ! ) ، حديثا أفضتُ في شطر منه في محاضرة أدبية ألقيتها خلال إجازتي المنصرمة بقاعة الشارقة بالخرطوم دعاني إليها معهد البروفسير عبد الله الطيب التابع لجامعة الخرطوم كانت بعنوان ( الإعجاز القرآني وأثره في آداب العرب والإفرنج ) وحظيت بحضور كثيف من أساتذة الجامعات والطلاب والشباب.

محمد الطيب قسم الله
السفارة السودانية – أبوظبي
30/8/2006

ملحوظة :-

( 1) خلال إجازتي الصيفية المنصرمة اجتمعت باللواء ” م” السيد / حسن عمر البشير معتمد محلية الحصاحيصا بمكتبه وتباحثنا معا حول قضايا عامة تتعلق بتنمية المنطقة بوجه عام ، كما دعاني طائفة من الطابتيين إلى مخاطبة تنويرية لملتقى جامع أقاموه بمدرسة طابت الثانوية للبنات حول زيارة الوفد الطابتي إلى دولة الإمارات كما خاطب الملتقى أيضا الأستاذ/ علي محمود مصطفى والأستاذ/ علي سعيد محمد عيسى .

( 2) في سياق حملة دعم المستشفى تبرع السيد / عبد الوهاب المقلي بحوالي 60% من قيمة مولد كهربائي كبير للمستشفى تبلغ قيمته ستة وأربعين مليون جنيه سوداني ( 46000000 جنيه ) ، كما تبرع السيد / الفاتح عبد القادر أبو إدريس بنحو 8% من قيمة المولّد المذكور.

1,479 زيارة
يناير 152012
 

في صالة كبار الزوار V.I.P ) ) بمطار أبي ظبي الدولي جلس طاقم سفارتنا من الدبلوماسيين والفنيين والإداريين بقيادة السفير حاج الفكي هاشم جنبا إلى جنب مع طائفة من رصفائهم الأماراتيين يحدث بعضهم بعضا ، كانت الساعة تقترب من الحادية عشر ليلا حيث كانوا جميعا يترقبون وصول طائرة خاصة تقل على متنها وفدا برئاسة الوزير / عبد الباسط سبدرات المبعوث برسالة من فخامة الرئيس عمر حسن أحمد البشير إلى أخيه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد تتعلق بالمشاركة في القمة العربية الخامسة عشر التي ستنعقد بالخرطوم ، هنالك تجاذبنا أطراف الحديث لأكثر من نصف ساعة قبل أن يأتينا مسؤول البروتوكول ليؤذننا بأن الطائرة أوشكت على أن تحط على أرض المطار فتوجهنا إليها نستقبل ضيفنا الزائر ، وبعد مراسم الاستقبال والضيافة بتلك الصالة انطلقت سيارات التشريفات بالوفد الزائر في رفقتنا إلى فندق الإنتركونتننتال حيث مقر إقامته .

في جناحه الخاص بالفندق شرع الوزير / سبدرات في دردشة معنا وأنشأ يتحدث عن آخر زيارة قام بها إلى الإمارات قبل بضع سنين فقال ( آخر مرة جينا لعزاء حاكم الشارقة وكان معانا الشريف عمر بدر ) ثم سكت برهة كأنه طفق يتذكر بقية أسماء الوفد الذي رافق سيادته فيها ، فابتدرت الحديث قائلا ( وكان معاكم زول آخر اسمو ” رجب” ) فدهش سبدرات من حديثي وقال لي ( أيوه كان معانا ، وكانت بين الراجل دا وبين الشريف علاقة قوية ) ، تذكرت يومئذ قصة وفد العزاء الذي قاده السيد / سبدرات إلى حاكم الشارقة يوم حكاها لي للمرة الأولى العم / ود شريرة صديقي اللدود وجليسي المقصود ، إذ دخل علينا برفقة العم سعيد محمد عيسى وكنا جلوسا بمنزل الأخ علي محمود مصطفى وكانا عابرين بذلك الشارع فلما علما بوجودنا دخلا علينا ، يومئذ أتحفنا السيد / ود شريرة بتلك القصة فإذا هي تقرير حسن التعبير والتصوير لو رواها إعلامي متمرس عبر إحدى الفضائيات لم يزدني عليه بها علما .

لم نبرح الفندق حتى عقد الوزير سبدرات اجتماعا تشاوريا مغلقا مع السيد السفير وشخصي ودبلوماسي آخر ، و في ذلك الاجتماع وقف السيد / سبدرات موقفا قويا حمدته عليه وساندته فيه ، موقفا شبيها بمواقف السيد /ود شريرة يتعلق بما يعرف في العلاقات الدولية باسم ( Reciprocity ) أو مبدأ المعاملة بالمثل ، كان السيد / سبدرات يومئذ ممسكا بعصا أو صولجان شبيهة بعصا ود شريرة التي تهتز كأنها جان ، لم يخطر بخلدي قط والسيد / ود شريرة يحكي لنا في ذلك اليوم تلك الحكاية أنني سأنقل إلى سفارة سودانية بدولة عربية بعد عام وبضعة أشهر قضيتها بالسودان في أعقاب انتهاء فترة عملي برومانيا وعودتي النهائية ، ثم أظلنا شهر إبريل من العام 2003 ، ذلك الشهر الذي تنشط فيه بالوزارة لجان الترقيات والتنقلات ليطمح كل دبلوماسي إلى أن يظفر بإحدى التاءين أو إحدى الحسنيين ، لكن الثانية أحب إلى قلوب أهل الخارجية من الأولى ، والجمع بينهما محبوب مرغوب غير أنه في ذلك الوقت القصير أشبه في شأن الزواج بالجمع بين الأختين ، كنت أتردد على الوزارة غدوا ورواحا شأني في ذلك شأن سائر الدبلوماسيين الذين يترددون عليها في ساعات الدوام اليومي ، وفي ذلك اليوم استوقفني زميل في السلك الإداري عضو بلجنة التنقلات ثم تبسم في وجهي قائلا ( إن شاء الله يا مولانا ينقلوك لي سفارة ناصية ) ، كان له بها علم و لم أسأله عنها لكونه متبرعا والمتبرع لا يطالب بأكثر مما بذل ، حتى إذا كرر لي هذه العبارة غير مرة في أيام أخرى رجوت الله أن تكون ناصية لا كاذبة ولا خاطئة ، فكان ما كان لأرتحل في يوليو من ذلك العام إلى دولة الإمارات ، فأستمع إلى طرف مما قاله السيد / ود شريرة بلسان السيد / سبدرات ، هذا المبعوث الرئاسي الذي كانت لزيارته تلك ثمرات يانعات ، كان أولها المشاركة الكبيرة للوفد الإماراتي بمؤتمر القمة العربية المنعقد بالخرطوم ولم يكن آخرها تلك الزيارة المتميزة التي قام بها معالي / د . لام أكول وزير الخارجية إلى أبي ظبي ، وما حظي به من حفاوة وسخاوة من قبل المسؤولين الأماراتيين وفي طليعتهم صاحب السمو رئيس الدولة ، ولعل من بينها ذلك الاستقبال الحار الذي استقبل به سموالشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية الأماراتي ضيفه ورصيفه السوداني والوفد المرافق له وأعضاء السفارة من خلال مأدبة غداء رسمية أقامها على شرفه بقصر الإمارات الرئاسي ، كان ما كان فيها من فخامة بروتوكول دبلوماسي وصراحة حديث سياسي .

الرحلة إلى الشارقة وحاكمها الكريم لم تبدأ بوفد سبدرات ولكنها بدأت بمبادرات السيد/ رجب وصلاته الوثيقة بصاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي ، فكانت بردا وسلاما على أهل المنطقة كافة ، وكانت ثمرتها اليانعة هي رصف طريق ( الحصاحيصا – طابت – الفريجاب) بالإسفلت بتمويل سخي من سموه ، ورغم أنني لم أتشرف حتى الحين بلقيا السيد / رجب والتعرف إليه عن كثب إلا أنني أحسب أنه مارس دبلوماسية راقية كتب الله لها التوفيق فتمخض عنها ذلك الطريق ، طريقنا الممهّد الذي يسّر الله لنا به التسفار تيسيرا وكان المسافر قبله يبلغ أهله بشق النفس ترهقه قترة وعليه غبرة ، وقد لا يبلغهم إن أمسى بالسوق وكان من أهل القرى لندرة السيارات القادمة من الحصاحيصا مساء ، كقصة ذلك الرجل الذي أمّ طائفة من الناس في صلاة المغرب بموقف العربات بطابت حيث كانت تقف عربة بوكس واحدة متجهة إلى قرية الرجل الإمام وليس في الموقف غيرها ، فلما تحركت العربة مسرعة ترك الإمام مأموميه وهم راكعون وهرع إليها فجاءهم رجل فقال لهم وهم راكعون ( يا ناس تموا صلاتكم إمامكم جرى ) ، أو كقصة الأستاذ / مبارك زين العابدين ( كاي) مع سائق عربة عامة بموقف طابت بالحصاحيصا اعتاد أن يتفادى المشوار و يتأخر إلى أواخر وقت الأصيل كلما رأى ثلة من الركاب منتظرين بالموقف ، ثم يأتي إليهم فيطلب منهم فردا فردا مضاعفة تذكرة المشوار له لأنه سيصل طابت بعد المغرب ولن يجد ركابا آيبين ، كم قام ذلك السائق بتمثيل هذا المشهد مع طابتيين من بينهم الأستاذ ( كاي) ، وكان الأخير أعلم الناس بحيلته وبمسرحيته حتى إنه قال عنه ذات يوم ( السوّاق داك حايجيكم بعد شوية وحايقول ليكم كده كده كده ) ، وبعد برهة أقبل السائق نحو الأستاذ ( كاي ) الذي قال له قبل أن يتحدث ( أنا موافق ، شوف الناس الباقين ديل ) .

معتمد محلية القاش الحالي السيد / علي الهداب كان في بداية التسعينات محافظا لمحافظة الحصاحيصا ، كان رجلا يجمع بين حلاوة المقال وحفاوة الاستقبال ، وكان يقول إنه عازم على إنجاز أربعة مستحيلات من المشروعات وذكر منها ( طريق طابت – الحصاحيصا ) و ( جسر الحصاحيصا – رفاعة ) ، لا أكاد أنسى ذلك اليوم الذي تحركنا فيه من مكتب المهندس / محمد سليمان فضل الله وكيل وزارة الصناعة في طائفة من أعضاء لجنة طابت بالخرطوم تقلنا سيارة لاندكروزر تطوي بنا الأرض طيا إلى الحصاحيصا للاجتماع بالسيد / المحافظ الذي كان في انتظارنا ، وكان ينتظرنا معه أيضا بمكتبه وفد من ( لجنة طريق طابت –الحصاحيصا ) بقيادة السيد / محمد بخيت ( تنوب ) رئيس اللجنة وعضوية السيد / صديق أحمد البشير رحمه الله والسيد / السر كاسر والسيد / محمد عظيم العاقب وآخرين ، كان اجتماعا مشهودا استعرض بالتفصيل مجمل الخطوات والانجازات التي تمت في شأن الأعمال المتعلقة بردمية الطريق ، ووضع خطة للتنسيق بين اللجنتين وتصورا للمتابعة ، ومرت الأيام وأوشك طريق ( طابت – الحصاحيصا ) وطريق ( العبيدية – بربر) أن يُدرجا في ميزانية الدولة العامة عبر مبادرات اضطلعت بها لجنة الخرطوم وتحركات قادها المهندس / محمد سليمان فضل الله ، ولم تزل جذوة اتصالاتنا بجهات الاختصاص وبوزارة المالية متقدة حتى فاجأتنا الأخيرة بعدم تمكنها من تضمينهما في الميزانية نظرا لصدورها عامئذ مثقلة بنفقات أشد إلحاحا ، ففقدنا (الطريق ) ولم نفتقد الأمل .

معرفتي الاسمية بالشيخين شريرة وجانقي بدأت منذ أكثر من ثلاثين عاما حين كنت صبيا يافعا يبلغ من العمر بضع سنين ، حين كانا يأويان في طائفة من (آل أبو إدريس) إلى منزل الأستاذ مضوي القديم المقابل لمنزل والده وجدي رحمه الله ، كانوا جميعا يزورونه كثيرا ويزورهم كثيرا ، وكأيّن من ساعة مررت بباب حجرته أو نافذتها فسمعتهم يستأنفون حديثا في السياسة ، وربما انتهت إلى مسامعي من ضحكاتهم وعباراتهم كلمات مثل ( الحكومة ، النميري ، الترابي …الخ ) ، كلمات أسمعها للمرة الأولى ليبحث ذهني عن مدلولات ما سمعت أذني فيستوعبها شيئا فشيئا ، كان الحي في عقد السبعينات عند الظهيرة ساكنا ساجيا إلا من أصوات متلاطمات تصدر عن أولئك القوم ، أو ضحكة مترعة تنفجر بغتة عن صبي في مثل عمري يهرول بشارعنا خلف ذلك الفتى الأعرابي إذ يغير من مشيته بغتة حين يرى سربا من طالبات آيبات ، فيتبختر و( يقدل ) ويحدودب حتى إن كتفيه ليوشكان أن يبلغا أذنيه يحسب أن مشيته تلك تقربه إلى قلوبهن زلفى ، أما علاقتي الفعلية بالشيخين فقد امتدت لأكثر من عشرين عاما وأبت السياسة إلا أن تكون طرفا فيها ، وأبت أيضا جمعية التضامن إلا أن تكون عنصرا أصيلا في علاقة ثقافية مع العم / جانقي ، إذ كان حريصا على حضور بعض ندواتها العامة بالأحياء كتلك التي أقمناها بمنزله للنساء فإذا به يحمل كرسيا ويجلس في ركن قصي يستمع باهتمام ثم يساهم و يسأل بأحسن الكلام .

في أعقاب الانتفاضة تبرع السيد / محمد سليمان فضل الله بداره بالحلة الجديدة لتستضيف مجمل النشاط الثقافي والاجتماعي لجمعية التضامن الإسلامي ولتكون مقرا للنشاط الفكري والسياسي العام ، فتأسست بها مكتبة دينية ولغوية متنوعة ومشتملة على أمهات كتب التفسير والفقه والحديث ، وكانت تقام فيها الدروس والندوات والمعارض ، ذلك النشاط الكثيف الذي بدأته جمعية التضامن في سنواتها الأولى بالمسجد ثم انتقلت به إلى المدارس ( المدرسة الجنوبية الابتدائية للبنين – مدرسة البنات الابتدائية ” مدرسة الأستاذ/ عفيف أحمد إمام ” – مدرسة البنات المتوسطة ) ، ثم انتقلت به من بعد إلى تلك الدار التي سميناها ( دار إحياء النشاط الإسلامي) وكتبها خطاط ماهر على لافتة تطل من عل على من يدخلها أومن يستقبلها .

وفي إثر الانتفاضة أيضا طفقت الأحزاب السياسية تخرج من أكمامها ثم تتبلور وتتمحور ، ومنذئذ أخذت (الجبهة الإسلامية) كحزب جديد وليد تنتشر في منطقة طابت في أوساط الناس كقصيدة عصماء ، فتأسر أفئدة الطلاب والشباب والنساء ، و لقد كان أول اختبار للإسلاميين الطابتيين هو اختيار مرشح لهذا الحزب الجديد ، يومئذ خلصنا نجيا وتشاورنا مليا وكنا عصبة كان فيها فيما أظن الأستاذ / علي سعيد والأستاذ / عبد الله المقلي والأستاذ / أسامة السماني الطيب والأستاذ / موسى علي حسب الله وشخصي وآخرون ، واستقر الرأي على أحد رجلين : السيد / محمد سليمان فضل الله أو السيد / عطا المنان صالح النيل رحمه الله فرجحت كفة الأول على الثاني لاعتبارات سياسية عامة ، ثم لقيني العم / حميدان ود عبد الله رحمه الله وكان لا يلقاني إلا تبسم في وجهي وقال لي ( جيدا جيت ، تسلم من اللوم والبلا ) وكان لا يقولها إلا لمن يحب ، لقيني بعدئذ فقال لي ( دبرة وحكيتوها ، عليّ الطلاق كان رشحتو زول صراصر دي ما تلقوها ) يضع طرف إصبعه على طرف سنه على طريقة السودانيين ، فضحكت وتمتعت معه بدردشة عابرة على جانب الطريق ، وكلمة ( دبرة ) بفتح الدال والباء والراء هي كلمة فصحى ، قال العلامة ابن منظور في معجمه الشهير ( لسان العرب) : ( والدَّبَرَةُ، بالتحريك: قَرْحَة الدابة والبعير، والجمع دَبَرٌ وأَدْبارٌ مثل شَجَرَةٍ وشَجَرٍ وأَشجار) .

ثم اسمهرّت الحملة الانتخابية واستمرت التعبئة السياسية في أبريل عام 1986عقب ندوة الترابي الشهيرة التي كانت منصتها على الجهة الأمامية لمنزل الجد الفكي / النور عيسى رحمه الله واحتشد جمهورها الغفير إلى أطراف السوق ، وقيل حينئذ إن الشيخين شريرة وجانقي جاءا في بدايتها ليمكثا فيها دقائق فحضراها إلى نهايتها ، و في انتخابات عام 1986 جُلت في المدينة جولات و صُلت في قرى الريف شماله وجنوبه صولات، كانت الدائرة عامئذ تبدو متشتتة متفلتة وكان خوف السياسيين من الإخفاق فيها مضّاضا، وكان حال أحد الأحزاب معها كحال بعل يخاف من امرأته نشوزا أو إعراضا ، ومع أن كل حزب بما لديهم فرحون فإن بعض الأحزاب كان فيها شركاء متشاكسون ، إذا خسروا أصوات بلدة أو قرية أقبل بعضهم على بعض يتلاومون ، وفي العواصم وكبريات المدن حيث يعيش الناس على أثارة من وعي سياسي ونضارة من وضع اجتماعي واقتصادي فإنك ترى طوائف منهم مستمسكين بأطراف المباديء ، أما في الأرياف وصغريات المدن حيث يكاد لا يتوافر من ذلك شيء لدى الكثرة الكثيرة من قاطنيها فإن المباديء ليست بمطامح ولكن المصالح رواجح ، ولقد تفعل القرابات والمصاهرات في مواسم الانتخابات ما لا تفعله الانتماءات ، و إيمان الناس بهذا المرشح أو ذاك يزيد وينقص تبعا للخطب والأحاديث المحلاة بالوعود ، وكم تتبدل مصالحهم الانتخابية وإن لم تتبدل عقائدهم السياسية ، وقد ترى أسرابا من الناخبين يهرعون خلف مرشح يعدهم ويمنيهم بمدرسة أو ( شفخانة) أو ( بيّارة ) ، وربما لا يبلغون من ذلك شيئا أو يوفضون إلى شيء قليل ، لسان حال المرشحين فيهم يقول ( ليس علينا في الأميين سبيل ) .

لم يفتأ الشيخان طيلة فترة الديمقراطية الثالثة يجادلانني جدالا جميلا ، وقد يحمل في أحيان نادرة من الحدّة والشدّة شيئا قليلا ، جادلني ذات يوم العم / شريرة ونحن واقفان على بعد خطوات من دكان الأخ ( الحاج مهدي ) فقال لي منفعلا ( إتو عندكم حزب ، حزبكم الكلو نسوان دا ) يكسر الحاء مع الزاي ، فسألته مستغربا ( مالها المرة ما زول ؟ ) فرد علي ّ مستنكرا ( أيوه ، المرة مازول ، المرة كان زول كان بقت نبية ) ، فانفجرت ضاحكا فكانت في ضحكتي خاتمة حسنة لجدال عجيب ، ولما تولت الإنقاذ مقاليد السلطة في البلاد في عام 1989 لم ينفك السيد / شريرة يعانقني كلما رآني ثم يقول لي ( حكومتكم دي الباقية ليها يومين تلاتة) يعني على زوالها ، قال لي ذلك مرات متتاليات في مقابلات متفرقات ، وعاشت( الإنقاذ ) ما شاء الله لها أن تعيش ، و كان العم / حميدان ود عبد الله رحمه الله كلما رآني أقبل عليّ مبتسما وشد على يدي قائلا ( مؤيدين ، مؤيدين ) يعني لحكومة الإنقاذ ،وكان العم المرحوم/ علي عبد الله الروف الملقب ( ود داقسة ) بكسر القاف السودانية وفتح السين المشددة ، كان أنصاريا من أشد الناس بغضا وشنآنا لحكومة الإنقاذ ، وكان يجادل كثيرا الغالبية الغالبة المؤيدين لها من جلساء ( دكان ود الصافي ) حتى رد عليه الجد / عبد العظيم ود مسعود – رحمه الله – يوما ( عمر إن شاء الله إسلما عيسى ) فضحكنا يومها ضحكا عظيما ، (إسلما ) بكسر الهمز وفتح السين وكسر اللام المشددة يقصد ( يسلمها ) ، يدعو الله أن يطيل عمر سلطة الرئيس عمر البشير حتى يتسلمها منه المسيح عيسى بن مريم عند نزوله في آخر الزمان ، تصديقا لما قرره القرآن ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) ، وتأكيدا لما رواه أئمة الحديث وفي مقدمتهم الشيخان ، ما أمتع جلسة أولئك القوم في ذلك الدكان ، إذ ينصرفون من شأن سياسي إلى شأن اجتماعي إلى شأن زراعي ، منهم من قبض صرفية القطن في الغداة وانقلب إلى أهله مسرورا ، ثم أوى عصرا إلى تلك الجلسة يتحدث بالفرح والسعادة مغمورا ، و منهم من باع حواشته ثم جالسهم في ذلك الدكان فجلس بينهم يومئذ ملوما محسورا .

لفن الرواية الطابتي أفانين و أساطين لا يُحصون كثرة ، منهم الأعمام مضوي وشريرة وجانقي وإبراهيم شيخ محمد ومحمود شيخ محمد وعبد العال والعليان : علي محمد عبد الرسول وعلي محمد أبوجولة ، والأخ الصديق / الضو ابن الأخير الذي كان إذا قص علينا أيام الصبا أحداث فيلم عربي أو أجنبي كانت أمتع لنا من مشاهدته ، و لو مررت به وهو يقص قصصا على فئة من الطلبة متحلقين حوله بالمدرسة المتوسطة لرأيتهم منتبهين صامتين كأن على رؤوسهم الطير، ولحدجوك بنظرات فاتكات إن أحدثت ما يكدر عليهم تسلسل القصة ومتعتها ، وتتنوع الرواية الطابتية من رواية سياسية إلى أدبية إلى دينية إلى اجتماعية ، ولكل فن من هذه الفنون رموزه وشخصياته ، وكان الأخوان الطيب الفاتح الحسين والسماني محمد عثمان ( العمارة كاسر ) الطالبان بتلك المدرسة من أتقن الطلاب لفن الرواية السياسية وكانا يتمتعان بثقافة سياسية متميزة ، ومن فن الرواية والحكاية إلى فن المحاكاة ، أعني تقليد الناس وتصرفاتهم القولية والفعلية ومن رموزه حاتم محمد المبارك ، عبد الكريم ( الدامرتي ) ، عوض ( قوة ) ، الطيب سعيد مسعود ، ومبارك عزيز .

الكلمة الطابتية المنثورة المستهدفة وصف شأن سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي لم تنفك تستهويني وتأسرني فأجدني أحفظها عن غير قصد ولا أكاد أنساها ، وإذا قدر لك أن تجالس في محفل نفرا من الطابتيين من أمثال الأعمام شريرة وجانقي وغيرهم ولم تكن عليما بما اختصهم الله به من عذوبة المقال وخصوبة الخيال فطفقوا ينعون لك حكومتك أو حزبك لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ، إلا إذا كنت خبيرا بهم فإنك ستستمتع يومئذ بضحكات مشبعات وستقول لمحدثك منهم ( إنك امرؤ فيك رومانسية ) ، ولقد اعتاد الناس في بدايات عهود الثورات أوالحكومات أن تمسّهم نفحة من رخاء ، ثم تضطرب أحوال السوق و أسعار السلع لتلفحهم لفحة من غلاء وشقاء ، هكذا أصاب الناس ما أصاب في بواكير عهد ثورة الإنقاذ ثم اشتدت الوطأة عليهم شيئا فشيئا بفعل الخصخصة والحصار المفروض عليها دوليا ، من أبلغ ما سمعت من الكلمات في وصف تلك الحال قول العم والحاج / صالح الصعيل ( الغلا أخير من الجلا ) وهو بالفصحى أشبه بأن يقال ( الغلاء خير من الجلاء ) ، يقصد بالغلا ارتفاع أسعار السلع مع توفرها بالسوق ويقصد بالجلا ندرة السلع أو عدمها رغم وجود المال لشرائها ، و عند انعدام سلعة السكر وقتذاك وصف أحد الطابتيين شراب الشاي بالبلح بأنه كالفيلم الأجنبي الذي إذا ركز من يشاهده على الصورة فاتته الترجمة وإذا ركز على الترجمة فاتته الصورة ، وكذلك الحال في التركيز بين البلح والشاي يظل البلح بلحا ويظل الشاي ( مسيخا ) ، ولعلي أذكر يوم استوقفني العم / عبد العال في تلك السنين الشداد اللاتي كن كبقرات عجاف فألقى عليّ نكتة كأنها من تأليفه فقال: كانت القابلة أو ( الداية ) عاكفة على توليد إحدى النساء فأطل الجنين برأسه إلى الخارج و سألها ( الناس ديل ما فاتوا ؟ ) – يعني ناس الإنقاذ – فقالت ( لا ، ما فاتوا ) فتراجع إلى الداخل ثم أطل مرة أخرى سائلا ( العمرة فتحت ؟ ) فقالت الداية ( لسّه ما فتحت ) ، فأمرها أن ترجعه إلى رحم أمه ليتمتع برزق ليس فيه عناء .

ومن الكلمات الطابتيات المنثورات ما يبدأ كله بحرف واحد أو يتخذ جرسا موسيقيا متسقا ومتناغما ، من ذلك تاءات الجد / إبراهيم ود عبد الله شيخ الحلة رحمه الله يصف طالبات بالمدرسة الثانوية كن يذاكرن بمنزله ولم يظفرن بعد الامتحان بالشهادة الثانوية ( عرفتهن ما بنجحن ، البنات ديل كل الوكت بتونّسن : تصدقي ، تخيّلي ، تصوّري ) وكافات عوض ( أبرق ) التي تنسب إليه بعضها أو كلها وجمع بها أعلاما من البلدة ( كبر ، كتّم ، كديكر ، كبّورة ، كبّانية ، كلوس ، كجروس ) ، وهذا اللون من الفن النثري هو سوداني وغير سوداني ذائع في الآفاق ، وله عند الطابتيين نكهة ومذاق ، كان لنا صديق دبلوماسي لديه كافات مثل كافات ( أبرق ) يرصها رصا ويحذر بها مرضى ( النقرس ) أو ( القاوت ) من أكل اللحوم يقول لهم تجنبوا هذه الكافات ( كبدة ، كلاوي ، كفتة ، كبسة ، كستليتة ، كمونية ، كوارع ) ، وفي بوخارست كان الأخ الصديق الدكتور / إسماعيل عبد الله الفضل طالبا بكلية الطب وحدثني أن رجلين من الرومان كانا يجلسان بجانبه في أحد المطاعم ونشأت بينه وبينهما دردشة فسأله أحدهما إن كان يأكل ( الخنزير ) أو يشرب ( الخمر ) أو عنده ( خليلة ) أو ( يدخن ) السجاير ؟ ، وكان الأخ إسماعيل في كل مرة يجيبه بالنفي عن كل سؤال من هذه الأسئلة مؤكدا له أن لا صلة له بأي واحدة من هذه الخاءات ، عندئذ التفت الرجل إلى زميله وقال له ( هذا الشاب ليس لديه أي هدف في حياته ) viata lui ) ( Biatul asta n are sens in ، وهذه الطرفة في نصها الروماني هذا مكتوبة لاطلاع بعض الطابتيين الذين درسوا برومانيا كالأخ / جمال النيل ، ومن خاءات إسماعيل إلى حاءات العم والجار ( العقيد ) ، ولقد كان السيد / عوض ( أبرق) يسمي شارعنا ( شارع الضباط ) حيث يسكن ثلاثة تطل بيوتهم عليه يحملون ألقابا كرتب العسكريين وهم : ( العقيد ) ، ( المقدم ) سليمان فضل الله ، و ( اللواء ) حمدنا الله عبد القادر رحمهما الله ، وينطقها الناس ( اللوا ) بالقصر لا بالمد ، وكان ( العقيد ) يقول في حاءاته إن نعيم الدنيا ينحصر في ثلاث ( لقيمتن تملحا ، أو هديمتن تلفحا ، أو مريتن تنكحا ) بنطق الكلمة الأولى في كل عبارة على التصغير كما في اللهجة العامية ، ونطق أفعال عباراته بالفصحى هو ( تملحها ) ، ( تلفحها ) ، ( تنكحها ) أي تتزوجها ، ولقد استعمل القرآن الكريم لفظة ( النكاح ) ومشتقاتها للدلالة على عقد القران أكثر من استعماله مشتقات لفظة ( الزواج ) مثل ( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) وقوله عز وجل ( وزوجناهم بحور عين ) أي قرنّاهم ، بيد أن غالبية ألفاظه قد وردت بكلمة ( النكاح ) ومشتقاتها مثل ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) ومثل ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ) ، ( تنكحوا ) الأولى بفتح التاء والثانية بضمها وهذا بخلاف تاءات ( العقيد ) وحاءاته فكلها بالفتح .

للسيد / جانقي عبارة تشتمل على غينات يرددها وينسبها إلى الشيخ / فرح رحمه الله ( تلاتة ما يزولن لمّن تقوم القيامة : الرغم في الجعليين ، والغشامة في الكواهلة ، والصلاح في العركيين ) ، قوله ( الرغم ) بضم الراء المشددة وضم الغين أي المدافعة والمنافحة ، وإنني أضيف إلى هذه العبارة من واقع التجربة ( المهلة في الشكرية ، والعجلة في الرشايدة ) ، ( المهلة ) بفتح الميم والهاء واللام و( العجلة ) بفتح العين والجيم واللام ، الشكرية مشهورون بطول البال ، وكنت أسمي الرومان ( شكرية أوروبا ) لما لهم من بال طويل ، أما الرشايدة فهي قبيلة معروفة بالعجلة ولقد شهد شاهد من أهلها على ذلك وهوالشيخ / أحمد حميد بركي ناظر قبيلة الرشايدة بالسودان وعضو البرلمان الحالي خلال مأدبة غداء رسمية أقمتها بأبي ظبي على شرفه وشرف وفده من منسوبي القبيلة ، حدثني الناظر قائلا ( يقولون 90 % من العجلة عند الرشايدة ، و90 % من المهلة عند الشكرية والباقي في الحالتين لبقية الناس ) ، ومن قديم الزمان لم يزل التأني محمودا ولم تزل العجلة مذمومة ، قال تعالى ( و كان الإنسان عجولا ) وقال ( خلق الإنسان من عجل، سأريكم آياتي فلا تستعجلون ) ، وليس التباطؤ من التأني ولا الحزم من العجلة ، ومن حكم العرب ( من تأنى نال ما تمنى ) ، ومن ذلك قول الشاعر القطامي التغلبي :-

قد يُدرِكُ المتأني بَعضَ حاجَتِهِ *** وقد يكونُ مع المُستَعجِلِ الزَّلَلُ

غير أن النفوس مفطورة على حب العاجل ، يائسة من انتظار الآجل ، ومن ذلك قول جرير يخاطب أمير المؤمنين وخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه :-

إِنّي لأرجو مِنكَ خَيراً عاجِلاً *** وَالنَفسُ مولَعَة بِحُبِّ العاجِلِ

وأحسب أن الأستاذ/ النور بخيت ناصر من أطول الطابتيين بالا وأكثرهم احتمالا ، وسمعت بعض فتيان الخشوماب يقولون عبارة كأنها من أمثالهم ( الدنيا ما فاتت المكّاوي ولا لحقا حمد السيد ) ، ( لحقا ) في العامية بكسر اللام والحاء وهي بالفصحى ( لحقها ) ، يريدون أن كلا الرجلين لم يبلغا شيئا من الدنيا رغم اختلاف تعاطيهما معها ، لا ( حمد السيد ) الذي هو ذو حزم عجول ، ولا ( المكّاوي ) وهو رجل ( ممهول ) ولديه ( كارو ) وحمار كسول ، وأعتقد أن الدنيا عموما ولا سيما دنيانا الراهنة تحتاج إلى نهج وسط بين النهجين ، إلى حزم الأول و حسن تدبيره ، وإلى يقين الثاني واطمئنان ضميره ، على أن العجلة محمودة في حالات كالعجلة في الخيرات والطاعات ، ومنها قوله تعالى يثني على سيدنا زكريا وأهل بيته عليهم السلام ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) وقوله عز وجل يخاطب نبيه موسى عليه السلام ( وما أعجلك عن قومك يا موسى * قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى ) .

( إلى العم الكريم / عبد الله جانقي المكابرابي الاتحادي العمالابي الهلالابي ) ، بهذه الكلمات والصفات استهللت رسالتي التي بعثت بها من باريس إلى العم / جانقي بعد بضعة أشهر مكثتها بها ، رسالة نالت استحسانه وامتنانه ، و ( المكابراب ) بفتح الميم والكاف وسكون الباء هم بطن من الجعليين ، و ( الهلالابي ) إشارة إلى فريق الهلال العاصمي ، و من أكثر ما سمعت بلاغة ومبالغة من أوصاف جانقي قوله يصف رجلا ( دا لو عاش بين الصحابة يفرتقم لي خمسة كيمان ) ، يعنى بكثرة ماينقله من النمائم والوساوس والهواجس بينهم إلى الحد الذى ينتهى بهم إلى خمس فرق متقاتلة ، قال ذلك في معرض روايته لمشاهد تاريخية من صراعات المسرح الرياضي الطابتي ، ويعجبني نطقه كلمة ( السكرتير ) يفتح السين والكاف ويسكن الراء التي يمنحها نطقا أقرب إلى التفخيم منه إلى الترقيق ، و ليست هي كراء العم / الشيخ زكي الشيخ أبو الحسن رحمه الله إذ ينطقها في كلمة مثل ( بيروت ) فيفخمها تفخيما ، وما دمنا في محيط نادي العمال فياحبذا أن نستمع إلى حكاية العم / جانقي مع العم / الطيب الدابي الذي يسكن بجوار النادي ، حكى لي أنه ذهب ذات يوم في زيارة إلى منزل الأخير في مطلع التسعينات عقب تفكك الاتحاد السوفيتي ، فلما التقيا بداخله وجها لوجه قال جانقي للطيب الدابي ( الفاتحة على روح الاتحاد السوفيتي ) ، فرفعا معا يديهما مبسوطتين على طريقة السودانيين في العزاء ثم جلسا ، فقال له / الطيب الدابي ( الاتحاد السوفيتي مات وانتهى ، وأمريكا حا تنفرد بالعالم وحا تشوفوا منها الويل ، وحا تتمنوا لو كان الاتحاد السوفيتي موجود وقوي ) يشير إلى أنه كان يحافظ على توازن القوى في العالم مع أمريكا ، وأنها بزواله ستذيق البشر ضروبا من البأس والتنكيل ، وسوف تتكبر و تتجبر وتفعل بهم الأفاعيل ، ألا ما أعجب قول هذا الرجل الذي كأنه كان ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ، قرأ لنا المستقبل قراءة باحث متبصر عميق ، و لم يزل جانقي كلما فعلت أمريكا فعلة يذكرني بما قال عنها الطيب الدابي ، ولا تزال أمريكا – ومن خلفها صويحباتها الأوروبيات – تقاتل الإسلام تحت ذريعة مكافحة الإرهاب حتى يسحتها الله بعذاب ، وسيحيق بها ما حاق بالاتحاد السوفيتي أو أشد ، وأحسب أنها من بعد ما ذاقت وبال أمرها لن تتورط قبل أن تتورع ، فإذا تورطت فستمنى بهزائم نكراء كما مُنيت بها في الصومال وأفغانستان والعراق ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) .

( عندكم وزير ، عمل ليهو فاول ، حقو تدوهوا كرت أحمر ) بهذه العبارة وبمثلها من عبارات بليغات اعتاد العم / عبد الله جانقي أن يلقاني إذ يقبل علي زيارتي كلما سمع بمقدمي ليجالسني بأحد البيتين : بيت جدي لأبي قسم الله مضوي رحمه الله أو بيت جدي لأمي سعيد مسعود حفظه الله ، ثم يعانقني طويلا قبل أن يستوي جالسا فيسرد حديثا رطبا عذبا يحفظه حفظا ويمتعني به معنى ولفظا ، حديثا يشتمل على عناقيد من السياسة والرياضة والفن والفقه والفتوى مختلفا ألوانه كالروض الأريض ، يجود به عن باسم ذي وميض ، وإذا أعجبه شيء من حديثي وأطربه فربما كان متكئا فجلس أو عاد مبتسما بعد أن عبس ، يستوعبه هذه المرّة ثم يأتيني به إذا سنحت له كرّة فيقول لي ( تحليلك بتاع المرّة الفاتت كان صحيح ، شفناهُو إتحقق) يقصد التحليل السياسي الذي يظفر به مني بحكم مهنتي حيث لا يجده في صحيفة مطبوعة ولا في إذاعة مرئية أو مسموعة ، ولقد يدخل عليّ زائرا متبسما في ساعة من ليل أو نهار فيقول ( غايتو حيرتونا ، آمنت ، لو كان الجن والملائكة عملوا ليهم حكومة حقو يخلوا رئيسا جبهجي ) يقصد ( رئيسها ) ، ما أكثر ما حدثني عن قهوته وعن سيرته الغنائية في شبيبته ، وعن نادي العمال وعن كل مرشح وما صنع في حملته .

كانت ( قهوة جانقي ) في السبعينات منتدى سياسيا واجتماعيا ورياضيا شهيرا يؤمها جماعات من أهل المدينة والقرى أعيانهم وشبانهم ، ويأوي إليها زرافات من فتيانهم وصبيانهم ، كنا على عهد الصبا نمر بها ذهابا وإيابا ، وربما دخلناها فرأينا العم جانقي على كرسيه جالسا و( للسديري ) لابسا ، وأبصرنا من حوله صناديق مرصوصة ملآى بزجاجات المياه الغازية ، ورأينا منثورات كثيرات على الأرض من سدادات ( الببسي كولا ) و ( الحرية ) و( اللويزو ) وغيرها من أشربة ذلك الزمان ، كم كان العم جانقي في قهوته يحدث مرتاديها بصوته النديّ وكم كانت الدنيا عليه مقبلة إقبال الغيث في ( الجبهة ) ” الندّاية ” أو ( الطرفة ) ” البكّاية” ، وكم حدثني ونحن بمنزل الجد / سعيد نرتشف الشاي والقهوة بعد مأدبة غداء أو إفطار شهي ، و روى لي ماروى عن حقبة السبعينات السياسية وصراعاتها وعن تفاعلاتها وتداعياتها ، مثل ذلك الصراع الانتخابي الشرس الذي احتدم في تلك الحقبة بين مرشحين عملاقين هما السر كاسر وعلقم ، وكاد السر كاسر أن يفوز بل أصبح فوزه أمرا مؤكدا لكون الصناديق المتبقية التي لم يتم فرزها هي لقرية تعتبر من مناطق نفوذه ، قال لي جانقي : فهللنا وهتفنا بالنصر وصادفني بالسوق شيخ يونس الذي من قبيلة الفولاني فسألني عما حدث فأخبرته بفوز السر كاسر فقال ( لا ، السر ما يفوز) ، فرددت عليه ردا عنيفا ، وأسرع بعض أقرباء السر كاسر فذبح ذبيحة النصر ، ذبح البقرة بدلا من الثور ، أخطأ من شدة الفرح ، وقلبت تلك القرية للسر كاسر ظهر المجن ففاز بالدائرة علقم ، كان ذلك من أعجب وأغرب ماحدثني به العم جانقي ، ولا يعلم الغيب إلا الله .

ومن انتخابات السبعينات والثمانينات إلى انتخابات التسعينات التي أعانني الله فيها مع قوم آخرين على تجسيد ما سميناه يومئذ ( وحدة طابت الأولى 1995) عبر انتخابات ولائية خاصة بمجلس ولاية الجزيرة ترشح فيها العم / السماني الطيب ( طابت) في مقابل الأستاذ المرحوم / عطا المنان صالح النيل ( صراصر ) ، ثم ( وحدة طابت الثانية 1996) عبر انتخابات اتحادية خاصة بالبرلمان السوداني ترشح فيها الأستاذ / إبراهيم عثمان أحمد ( طابت ) ، السيد / عبد الرحمن عبد السلام ( فطيس ) ، و الأستاذ / عبد المنعم المبارك ( أم عضام) ، وكان للشيخين فيهما مواقفهما المعروفة ، كان السيد / شريرة يبدو متعاطفا مع الأستاذ المرحوم / عطا المنان ، وكان السيد / جانقي مؤيدا للأستاذ / إبراهيم عثمان ، كان للأول موقفه المبرّر وكان للثاني موقفه المقدّر ، ورغم أن أي واحد من مرشحي المدينة الاثنين لم يفز بالدائرة إلا أن كليهما نالا على حدة نسبة فاقت 95 % من جملة أصوات الناخبين بالمدينة فضلا عن نسبة معتبرة من أصوات ناخبي القرى ، فاز في الأولى الأستاذ/ عطا المنان رحمه الله وفاز في الثانية السيد / عبد الرحمن عبد السلام ، ولعلي أذكر يوم ذهبنا إليه على متن بص مشحون من طابت إلى فطيس لتهنئته على الفوز ، يوم تحرك البص بعد حضورنا مراسم التهنئة قافلا مسرعا إلى طابت ليخلفني وراءه مع نفر من الطابتيين في فطيس ، هنالك التقينا العم / ود العبد ( معيجنة ) فرسم لنا خطة طريفة تخيلها لبلوغ طابت وأشار إلى عربة بوكس لأحدهم قائلا ( اركبوا في البوكسي دا لغاية ما ينزلكم في ترعة الزبيرات ، أمشوا من هناك ادخلوا جوّة في الزبيرات ، بلاقيكم بوكسي أحمد إدريس واقف برة جنب البيت دقوا ليهو الباب ، بعد ما تدخلوا بيتو وقبل ما يجهز ليكم البوكسي حا يعمل ليكم شاي بي لبن خلوهو يسوي ليكم فيهو جنزبيل ) ورغم أننا سرنا على الخطة نفسها التي رسمها السيد / ود العبد إلا أننا لم نظفر من ذلك بشيء ، لا أحمد إدريس ولا عربته البوكس ولا شاي ( الجنزبيل ) ، بل سرنا على أقدامنا على متن الترعة وكان معي العم / موسى غانم وآخرون ، سرنا تنفحنا نسمات طيبات في رحلة طويلة ليلية لم تقل متعة عن خطة العم / ود العبد لو تحققت ، ثم إني نظمت أبياتا بعد ذلك أشير فيها إلى تلك الرحلة التي كأنني من خلالها شربت شاي ( الجنزبيل ) في سُرى ممتع طويل :-

شربت الشاى شاى الزنجبيل *** و قصّدت القصائد في الأَصيلِ
( زبيرات الزبير) أذبن قلبى *** بأنسام من الجو العَليلِ
قرى كالشهد فى الريف الجنوبى *** وأخرى في الشمالي كالشمول
أنا الظمآن من شوق أرانى *** سبيلي نحو ماء سلسبيل
وأحلام بعزمى صرن حقا *** صعدن إلى فضاء المستحيل

لم نزل في سُرانا حتى بلغنا النجاضة حيث مراتع صبانا ومغاني هوانا ، و ( معاني النشوة في غُنانا ) ، كما يقول شاعرنا الأستاذ/ عبد الباسط عبد العزيز في قصيدة من شعره الغنائي الذي له حلاوة و عليه طلاوة ،لنكمل بهذا مقالا بدأناه بعبد الباسط ( سبدرات) وختمناه بعبد الباسط ، وما دمنا في النجاضة فإنه قمين بنا أن نتحدث عن علم وعالم من ساكنيها في مقال أدبي بعنوان ( مضوي قسم الله في صالون العقاد ) أستعرض من خلاله جماليات الكلمة الطابتية المنظومة مع نماذج لبعض الأساتذة الشعراء ، وأتطرق فيه لثلاثة من الطيارين الطابتيين الشهداء كلهم يبدأ اسمه بحرف العين ( عثمان الضو ، عوض بلال ، عمر السماني الأمين ) مشيرا إلى علاقة بعضهم بالأدب ، كما أتحدث عن المكتبات الطابتية العامة التجارية وغير التجارية التي ساهمت في تثقيف الناس والمكتبات الخاصة التي منها مكتبة الأستاذ / مضوي و مكتبة الأستاذ / محمد مرحوم ( أيوب) ، ثم أتوجه من النجاضة شرقا لأكتب مقالا بعنوان ( في صالون السماني الطيب كانت لنا أيام ) ثم أتوجه أيضا شرقا قصيا لأكتب مقالا آخر بعنوان ( سياحة على ضفاف علي سعيد ) ، عسى الله أن يعينني على استكمال مشهد واحد عبر هذه الخواطر الطابتية والمطولات التفصيلية باعتبارها مقالات توثيقية قبل أن أشرع في مشاهد أخرى بإذن الله .

محمد الطيب قسم الله
السفارة السودانية – أبوظبي
1/6/2006

ملحوظات :-

(1) – وصل وفد طابت إلى أبي ظبي يوم الثلاثاء 30 / 5/ 2006 ويتألف من السيد / فيصل عبد القادر أبو إدريس والأستاذ / علي محمود مصطفى ، وفي صبيحة اليوم التالي باشر الوفد في رفقتي اجتماعاته بطائفة من المسؤولين الأماراتيين المشرفين على الهيئات المختصة بالمجالات الإنسانية مثل ( هيئة الهلال الأحمرالإماراتي ) ، ولقد كان من المتوقع أن تتم زيارة الوفد الطابتي إلى الإمارات قبل بضعة أشهر إلا أن ظروفا طارئة وملحّة خاصة به حالت دون ذلك ، أرجو أن أفيدكم بمزيد من التفاصيل حول زيارة الوفد عقب عودتي من إجازتي السنوية بالسودان في نهاية شهر يوليو المقبل بمشيئة الله .

( 2) خلال إجازتي السنوية في العام الماضي وعبر زيارات طابتية قمت بها طلب مني طائفة من الأساتذة الكرام أن أضطلع بمهمة تنويرجميع الطابتيين في الخارج عبر الإنترنت بالمشروعات التنموية والتأهيلية الجارية بالمدينة كمشروع ( تأهيل وتطوير المستشفى ) ، ذلك في أعقاب لقاءات قصيرة عابرة جمعتني في مناسبات متفرقة بعدد من الطابتيين المهتمين بالشأن العام مثل الأستاذ / السماني كمال الدين ، السيد / أبو إدريس بدوي ، الأستاذ / صلاح شريرة ، السيد / فيصل عبد القادر ، و د. أحمد الأمين الشيخ الذي اجتمعنا به أيضا بمنزلهم بطابت ، وكذلك في أعقاب اجتماعي بالأستاذين عبد الوهاب وصلاح شريرة وحضره أيضا الأستاذ / علي محمود والأستاذ المحامي / فضل الله النور عيسى والزيارة الميدانية التي قمنا بها جميعا بعد ذلك الاجتماع إلى مستشفى طابت للوقوف على آخر الخطوات و اللمسات التي أنجزت في شأن تطويره وتأهيله .

(3) أفاد الوفد الطابتي الزائر بأنه قد كونت لجنة سميت ( لجنة تطوير وتأهيل المستشفى) قامت بإعداد دراسة متكاملة حول هذا المشروع ساهمت فيها شركة الاتقان الهندسية بالخرطوم ، و تم تقسيم الدراسة إلى مراحل مفصلة على النحو التالي :-

أ‌- المرحلة الأولى :-

تشتمل على إنشاء العيادة الخارجية بتكلفة تقدر بنحو 180000000 ( مائة وثمانين مليون جنيه ) وقد أُنجزت بحمد الله هذه المرحلة .
الجهة الممولة : حكومة ولاية الجزيرة .
الجهة المنفذة : شركة ذات العماد الهندسية – ود مدني .
الجهة الاستشارية : وزارة الصحة بالولاية .

ب – المرحلة الثانية

تشتمل على إعادة تأهيل مباني العملية والعنابر – إنشاء بنك الدم وملحقاته ، وقد أنجز هذا العمل في هذه المرحلة بنسبة 60%
الجهة الممولة : وزارة الطاقة .
الجهة المنفذة : شركة الإنقاذ الصحي – الخرطوم .
الجهة الاستشارية : قسم الخدمات والتنمية بوزارة الطاقة .
ساهمت حكومة الولاية بنسبة 33% من جملة التكلفة المتبقية لهذه المرحلة بما فيها تكلفة إنشاء سور المستشفى ، وما تبقى من جملة تكلفة هذه المرحلة التي تقدر بنحو نصف مليار جنيه تعهدت وزارة الطاقة بتغطيتها .

خطة العمل المذكورة اكتملت بنسبة مقدرة واضطلعت( لجنة تطوير وتأهيل المستشفى ) بمهمة الإشراف والمتابعة في جميع مراحلها ، إذ كانت اللجنة قاسما مشتركا ومنسقا رئيسا بين وزارة الصحة الولائية وبين وزارة الطاقة أو بينهما وبين الجهات ذات الصلة ، ولم يتبق من العمل سوى تأهيل المبنى المقترح لجناح النساء والتوليد بما يتضمنه من قسم العمليات .

(ج) المرحلة الثالثة (لم يتم فيها شي)
وهي مرحلة إنشاء مساكن للأطباء والكوادر المساعدة .

1,262 زيارة
نوفمبر 302011
 

يلفت نظرك في حامد عبد الله شلوخ الشايقية الدقيقة التي ترقد أفقياً على وجنتيه الضامرتين في وجهه الذي يحتوي على عينين براقتين تتحركان في حيوية لكنهما حالما تكادان تنغلقان إذا مرت بالقرب منه امرأة أو حادثه رجل مسن ذو وقار… حامد ضئيل القامة في شئ من طول ولونه كلون القمح المزروع في حواشات طابت التي أحبها إلى درجة التقديس حتى إن أهله في القرير بالشمالية لما طلبوا منه أن يأتي إليهم ويترك طابت اشترط عليهم شرطاً بسيطاً وهو: اصنعوا لطابت إطارات حتى أسوقها معي إلى القرير.

جاء إلى طابت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في حوالي عام ستة وأربعين جاء هو وخاله النبيل عوض السيد محمد عبيد الله من رفاعة جاءوا ليصيروا جزءاً من طابت وإلى الأبد.

كان حامد عبد الله أحد مفاتيح الحداثة في طابت فهو من أنشأ أول فرن للرغيف هناك وأعطى بيته مجاناً ليفتتح فيه نادي العمال أشهر نوادي طابت وأجداها وأعرقها فمن مدرسة هذا النادي خرج ثلاثة عمالقة عرفهم السودان كل في مجاله: الشيخ عبد الجبار المبارك في العلم والارشاد، والفنان أحمد الطيب خلف الله في الغناء، وود الشواطين لاعب الهلال الشهير وكاتم أنفاس جوهرة الكرة العالمي البرازيلي بيليه.

كان حامد عبد الله من ألمع قادة ثورة الحادي والعشرين من أكتوبر سنة أربع وستين للميلاد ولاتزال في الذاكرة قيادته للمظاهرات ومخاطبته للجماهير من على ظهر عربته البيضاء الصغيرة في لغة مخلصة وإن لم تكن أكاديمية إذ قد كان في الواجهة مع بقية قادة الحزب الوطني الاتحادي.

يعرف له الناس اهتمامه بالخدمات العامة في البلد من مدارس ومستشفيات وطرق وأراضٍ وأنشطة اجتماعية حتى ان بعض الناس عزّا انحدار تجارته لتقديمه الشأن العام على شأنه الخاص، وقد كانت عربته الخاصة يحجزها الحاجزون منذ الليل لمشوار الصباح للحصاحيصا أو مدني أو الخرطوم وهو يوافق على ذلك بطيبة نفس تشبه طيبة نفوس القديسين. وغالباً ما يكون المشوار نفسه لقضاء غرض اجتماعي لطابت وليس غرضاً شخصياً. دخل الانتخابات مراراً والانتخابات في الريف مريرة والصراع فيها شرس والعداوة فيها رهيبة ولكن ما سجل عليه أحد جهلاً على منافس ولا شتماً لخصم وإنما كان يقابل الخشونة والعداوة إما بالصمت أو حتى بالاحسان مما جعل بعض خصومه يخجلون من أنفسهم.

بيته مفتوحٌ للناس وهو جميل ومشجر وعلى بابه يافطة وقد كان على أيام صداقتنا مع ابنه الأكبر الأستاذ المرحوم محمد صالح حامد كالنادي الآخر بعد نادينا المعروف نادي العمال ففيه نلعب الورق ونأكل قراصة الشايقية ونقرأ الشعر ونقص القصص ونتبادل الأفكار فما كان ابنه الأستاذ محمد صالح من أه ل هذا الكوكب ولهذا انطوى وذهب سريعاً.

لما تخرجت من جامعة الخرطوم فوجئت وفوجئت أسرتي برصاص يلعلع في فناء دارنا فلما خرجنا إذا بنا بعم حامد عبد الله يضرب النار احتفاءً بتخرجي وهي لمسة عجيبة يستحيل عليّ أن أنساها ما عشت ولم أكن سوى طالب فقير أتطلع إلى المستقبل… قال الأول:

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا *** ما كان يألفهم في المنزل الخشن

استعنت بالبيت ليس مدحاً لنفسي بأني من الكرام وإن كنت أسأل الله أن يجعلني منهم بفضله ولم أوسر فأنا ما أزال أكابد الحياة في رضا وعزيمة.

حامد عبد الله بخيت الذي أصبح لبنة في بنيان طابت رجل شمالي شايقي جاء إلينا منذ حوالي سبعين سنة وأنصهر هو وأسرته في مجتمع الجزيرة وسط السودان بهذه الطريقة الرائعة ألا يصلح ذلك مثالاً «للتعايش الأخوي» الذي هو أبعد من «التعايش السلمي» الذي يدعو إليه السياسيون، يبدو لي لو أن الناس تركوا لأنفسهم ليتمازجوا في حرية وسلاسة لصنعوا الأعاجيب التي تُعد أعجوبة حامد عبد الله واحدة منها.

ألا رحم الله هذا الرجل الكريم.

 

1,237 زيارة