يونيو 042012
 

وقال [1]:

أم نور بدرٍ جلا الظلماء في الحين
أم لؤلؤٌ فوق تيجان السلاطين
لمقلةٍ قد نافست في الحسن للعين[2]
أم نشر نَورٍ لأزهار الرياحين
أم طيب غاليةٍ أم مسك دارين[3]
أزالت الحزن عن أحشاء محزون
كأنه لذةً أكوابُ زَرْجون[4]
كأنه البدر من بين الأساطين[5]
أحشاك نيران أشواقٍ وتمكين
قد كان شُهباً لأغوال الشياطين
لآدم العنصر المخلوق من طين
بيض الوجوه وهم شمُّ العرانين
في حضرةٍ أيَّدَتْه بالبراهين
عزٍّ وفخرٍ وتمكينٍ وتلوين
ـسعيد من كل ناريٍّ ومسنون[6]
كنطق عضوٍ وضبٍّ والسراحين[7]
نورٌ تشعشع في كل الأحايين
كلؤلؤٍ في حشا الأصداف مكنون
وما سواه إلى يوم الموازين
يشتاقُهُ حال تحريكٍ وتسكين
بلا شريكٍ ولو من صحب جبرين[8]
شوقٍ ودمعٍ حكى أمياهَ جيحون[9]
أوصافه من أُولي علمٍ وتبيين
خطّاً بأن يضعوه في الدواوين
وكل خيرٍ من الخيرات مخزون
در المعاني لتغني للمساكين[10]
يسهو ولو مثل لحظ القلب والعين
كم أطلقت من قيودٍ قلب مسجون
وهي الحماية يوم الفصل والدين
كلِّ الأواخر مَن مالوا لتدوين
قُرباً لديه ولحظاً منه يُرِْقيني
من عالٍ بفضلٍ قيل أو دون
قلبي يذوب لحال النقص في ديني
يمِلْ لغيرهِ في كل الأحايين
سفاهةً لاسمه في الماضي والحين
ما مرَّ في سحر نشرُ الرَّياحين
أعلامُ علمِ الهدى غرُّ الميامين
أو ريحُ طيبة قد جاءت تحيِّيني

أضوءُ شمسٍ محا ضوءَ السِّماكَيْنِ
أم النجوم الدراري قد بدت سحراً
أم تلك خودٌ بفنِّ السحر قد كحلت
أم عَرْفُ عنبر خال الغانيات سرى
أم ريح تلك الصبا قد زاد ذا شجنٍ
أم من بلابل قد غنت على طربٍ
أم من رُضاب كَعوبٍ بالبها جُلِيَت
أم قد أدار شَمولاً في الدجى رشأٌ
بل مدحُ أفضل خلق الله أسكن في
المصطفى علم الإيمان خيرُ فتىً
تاج النبيين صدر الرُّسل قاطبةً
من سادةٍ قادةٍ للمجد قد ورثوا
حظي برؤية مولىً لا شريك له
من بعد ما جاوز السبع الطباق على
ونال من ربِّه سرّاً فسُرّ به الـ
له الخوارق بين الناس شاهدةٌ
بدر له مسكنٌ وسط الحشا وله
كأنه في الدجى إن لاح مبسمه
فالناس عُبدانه في الحسن كلهمُ
جماله لم يزل طرف الوجود له
وهو الفريد الذي نادى الزمان به
قد جاءه الناس من كل الأراضي على
جلت محاسنُه عن كلِّ من وصفوا
فالعشر منها فما اسطاع الجميع له
ألزم محبته تلق المراد بها
ولُج زواخرها بالصدق مغتنماً
نعوذ بالله ممن عن محبته
ذكراه أعذب من ماءٍ على ظمأٍ
تُغنيك عن كل أعمالٍ شُغلتَ بها
عن مدحهِ قصرت كل الأوائل معْ
لكن رجائي فيه أن أنال به
يعُمُّ صحبي وأبنائي وحاشيتي
مع الشفاعة في يومٍ يكاد به
الطيبيُّ فلم يعرف سواه ولم
محمود من ناقضت أحوال حضرته
صلى الإله على المختار من مضرٍ
وآله وكذا الأصحابُ ساداتنا
ما بارقٌ لاحَ في الضحواءِ من إضمٍ

 

 


[1] . ديوان نفخ الروح، ص: 19-21.

[2] . الخود: الشابة الخَلق الناعمة. العين: بقر الوحش.

[3] . دارين: موضع بالبحرين يجلب منه المسك.

[4] . الرضاب: الريق المرشوق، ولعاب العسل والسكر والبرد. كعوب: كعبت الجارية: نهد ثديها فهي كَعاب وكاعب. الزرجون: الخمر.

[5] . الشمول: الخمر المبردة. الرشأ: الظبي الصغير. الأساطين: جمع أسطوانة معرب استون وهي السارية.

[6] . ناري ومسنون: جن وإنس.

[7] . جمع سرحان وهو الذئب.

[8] . جبرين لغة في جبريل.

[9] . نهر ببلخ وينتهي إلى خوارزم.

[10] . لِج: أدخل. زواخرها: بحارها الزاخرة.

990 زيارة
يونيو 042012
 

من شعر الشيخ عبد المحمود الشيخ نور الدائم رضي الله عنه:

هو الشيخ العارف الأستاذ عبد المحمود بن الشيخ نور الدائم بن القطب الشيخ أحمد الطيب بن البشير. ولد بجزيرة أم طريفي بولد رملي في سنة 1261هـ، وكانت وفاته سنة 1333هـ. وقبره بطابت المحمود.

صرِّح بمن تهوى بدون توقف
واعطف على ذاك الحمى بصبابةٍ
واجرِ المدامع في الدياجرِ ذاهباً
روِّ الفؤادَ من الظما بسلافةٍ
قد عُتِّقت من قبل أملاك السما
كانت ولا كونٌ ولا كرمٌ ولا
خمرٌ بها سَكِرَ النبيون الكِرا
رقَّت برقِّتها الرقايق وارتقت
أنِس الفؤادُ بذكرها وبذكرها
قد قُدِّست وتوحَّدت وتفرَّدت
لم يبقَ في نفس الأحبَّةِ بعدها
وبأيمن الوادي المقدَّس كم بها
وانظر إلى السِّنطير كم يومي لها
لو أن راهبها تلا في ديرها
ولئن دنا منها العواذلُ لحظةً
لله من خمرٍ ولو يوماً على
لو أن كل الناس قد قصدوا أذى
تخشى الملوك جميعهم سطواتِهِ
خمرٌ بها سكرت أئمّة نهجنا
والأربعِ الأقطاب ثم إمامِنا الـ
لله ما أحلاهمُ من سادةٍ
خمرٌ بها كم جُنّ ذو شوقٍ وكم
كم ذَلَّ ذو عزٍّ لها ومكانةٍ
وهي التي لعبت بأبناء التُّقى
يا ويح من في هذه الأيامِ لم
أرد المعالي كي تفوز بشربها
واجر الدموع تعشُّقاً لوصالها
وانبذ سواها خلف ظهرك كلَّه
وإذا رأيت الساقي قُلْ يا ساقيَ الـ
خُذْ ما استطعتَ هناك بين رجالها
حتى يلوح لعين قلبك بارقٌ
أظهر ولا تخشى عداوة حاسدٍ
هَيِّم وهِم طرباً وغنِّي ذاهلاً
واسجد لربك ناظراً لجمالها
لاحت بنور جمالها وتحجبت
من أين تدركها النفوس ومالها
عجباً إذا أخفيتها تبدو وإن
قد حارت القوم الأُلي في وصفها
شمسٌ إذا ظهرت فلا يبقى سوى
لا كالشموس إذا بدت ونهارُها
آهٍ على ذاك الحمى وحديثِهِ
مالي سواه فغنِّني بحديثهِ
إن الإشارة عند أرباب الهوى
لاتسقني معنى الحروفِ فإنني
واكتب بأقلامِ الغرامِ بِمُهجتي
وإلى الحمى أو حان تلك أحبتي
جسمي مريض بالهوى وحُشاشتي
أصبحتُ في طرق المحبةِ ذاهباً
إن الصبابة في الفؤاد عجيبةٌ
لكؤوسها سجد الزمان تذللاً
لكؤوسها سرٌّ إذا سُرَّ الفتى
للكأس أسرارٌ عجيبٌ وصفُها
عجباً لمن جهلوا الكؤوس وشربها
سِرٌّ تُسَرُّ به النفوسُ وتزدهي
عِلمٌ علوم الفكرِ تحت لوائه
يأتي من الحَضَرات في غسق الدجى
إن رمت أن تحظى به بادر إلى
تجد المراد وترتقي أوج العلا
واسجد لربك عند ذلك شاكراً

والقلب عن عذل العواذل أصرفِ
وتخضُّعٍ وتخشُّعٍ وتلطُّفِ
عن كل شئ عن هنالك مُصْرِفِ
تُمحَى بشَربَتِها الرسومُ وتنتفي
في دنِّها في حضرة الغيب الخفي
حانٌ ولا شادٍ بحالي الأحرُفِ
مُ كذا الملايكُ، سكرةً بتعرُّفِ
عن وصفَ كل مدرِّسٍ ومصنِّفِ
كم مال نشواناً به الصبُّ الوفي
وتلاعَبَتْ طرباً بمن قد تصطفي
غَزَلٌ بِعَزَّةَ أو هوىً بمُهفهَفِ
قد قتِّلت أقوام عشقٍ دون في
والجنكِ والطُّنبورِ إيماءً يفي
إنجيلها لاهتز كل العُرَّفِ
لتهتَّكوا سُكراً بغير تكلُّفِ
حاناتها مرَّ امرؤٌ لم يصدفِ
وردىً لشاربها فلم يتخوَّفِ
وتطيعه الأيامُ غير توقُّفِ
كجنيدهم مُولِي الفيوضِ الأظرفِ
ـسمانِ ثمَّ الطيب المتصرِّف
بذلوا الرحيقَ لكلِّ صبٍّ مُقتفِ
أعمت وأصمت مِن فتىً بتألُّفِ
عليا ومن ملِكٍ ومن مُستنكِفِ
والصالحين من الورى بتظرفِ
يشرب بألحانٍ كؤوس القرقفِ
مع كل صوفيٍّ وكل معرِّفِ
واصحب لعزمٍ قاطعٍ كالمشرفي
ولدا القُدومِ ببيتِ عِزِّتها طُفِ
أقوامِ مُنَّ علي مُحبك واتحفِ
واكتم ولا تُبدي لأمرك واختفي
من طورِ سيناء التجلِّي الأشرفِ
كَلاَّ ولا تعنيفَ فيه معنفِ
بالرِّقمَتين وبالمليحةِ عرِّفِ
حتى سواها عن شُهُودِكَ ينتفي
بجلالها وكمالها المستشرفِ
وصفٌ به أهل المحبةِ تكتفي
أظهرتَها بعبارةٍ هي تختفي
وأبو يزيدَ القُطبُ والجيلي الحفي
أنوارها في أعينِ المتصوِّف
ما بعده ليلٌ ولم تتكسَّفِ
وبدُورِهِ مَن نورُهُم لم يُخسفِ
لكن بحسن إشارة وتلطُّفِ
أحلى وأعذب من أحاديثٍ بفي
عن كلِّ معنىً بالإشارةِ مكتفِ
سرَّ المحبة بالدموعِ الذُّرَّفِ
سِرْ بي عسى بالوصل لهبي ينطفي
كادت تذوبُ جوىً بعشقٍ متلف
لم أدرِ لي بين الورى من مُسعفِ
كم أمرضت ولَكَمْ بـها أحدٌ شُفي
وتخضُّعاً بتولُّهٍ وتعطُّفِ
يوماً به أضحى مليك تصرُّفِ
قد حيَّر الأولى وكلَّ مؤلِّفِ
وبمالها من قعدةٍ من موقفِ
ولحبها تُبدي لأمر قد خفي
فتكادُ وهي تُجلُّهُ كالمصحفِ
للقائمين بخشيةٍ وتقشُّفِ
أربابه وعلى شرايطِهم قفِ
وبساطَ سرِّ الفتحِ نورِ الرفرفِ
وعلى الدُّوير مع القاسيس اعكف

1,666 زيارة