.

خطب لعمري

 

{في رثاء فقيد العلم والدين، العفّ الأمين ذي الوصل والتمكين. مَنْ أعطى واتقى وبالمحبة والسلوك رقى، إشراق اليقين وسيف الحق المبين، مَنْ أفنى في الله شبابه وفتح للخيرات بابه واعتصر في الدين لبابه، سليل الأصل الطاهر والنسب الفاخر، نسل العارفين وذرية الصالحين، أهل الديوان وحزب الأمان، الشيخ السمان بن سيدي الشيخ الحفيان. أمدَّه الله بمدده ونصره بجنده وأعانه بتوفيقه وسنده إنه سميع الدعاء مجيب}.

 

والقلب من هول المصيبة ذابا
في مثله مهما التصبر نابا
ودموع عين تغرق الأهدابا
ولقاء مَنْ نهواه بات سرابا
وديار سلمى لا تطيق جوابا
تنعي الزمان وتندب الأحقابا
وبدا النسيم يفوح الأعشابا
راحت ولم تطرق لزيد بابا
وسواد عيني يا خليلي شابا

والدهر أفرد مخلبيه ونابا
والدهر لم يعرف أسى وعتابا
قمري إذا بدر الدجنة غابا
عم الأباطح سبسباً ويبابا
وكريم أصل فرعه قد طابا
ما كان ثرثاراً ولا قبقابا
كالنجم يرمي في اللعين شهابا
تغني النفوس وتسكر الألبابا
سحراً فأرسلت الدموع سحابا
وكريم ذكر هيج الألبابا
كم أورث القلب المشوق عذابا
هات المدامة واملأ الأكوابا
شمس المعارف والحقيقة غابا
والعين تذرف دمعها الوثابا
لبس المحامد والتقى أثوابا
جمع المعارف سنة وكتابا
لم يفلحوا فيما يرام طلابا
ولدى اللقاء تراهم أسلابا
وعن الحقيقة لا يعون خطابا
لم يعد شرع الله والآدابا
وعلوا المنابر غيبة وسبابا
لبسوا الحرير وزيَّنوا الجلبابا
والنفس أضحت صفصفاً وخرابا
في المنتدى والخصم عيب وخابا
بلغ السماء وجاوز الأعتابا
يعطي العديم ويكرم الطلابا
غير الشريعة والأصول صوابا
وإذا دُعي للمكرمات أجابا
ما كان منًّا أو أذى وعتابا
ودياره كانت لنا محرابا
والبِشر يملأ ساحةً ورحابا
أنت الذي قد قدَّر الأسبابا
للدار يرحل ما أتم نصابا
أحيا الطريق وجدَّد الآدابا
أفنى لعمري في الإله شبابا
ومبجَّلاً ومكرَّماً ولبابا
ما كان رعديداً ولا هيَّابا
مدح المآثر خلوةً وقبابا
مَنْ مدحه قد أذهب الأوصابا
فاق الأُريَّ لذاذةً وشرابا
من كل قلب قد صفا وأنابا
عزَّ الكريم وأكرم الأنسابا
في عرسها كم أطرب الألبابا
لم يشْكُ مَنْ ذاق الطعام سقابا
من بحر صدق لا هوى وضبابا
عاماً أفاد العلم والطلابا
في كل نادٍ يرشد الأحبابا
ومدقِّقاً ومحقِّقاً نقَّابا
لم يشكُ إرهاقاً ولا إتعابا
وأحب من في الله كان مجابا
أبكى النعي كهولة وشبابا
ينعون من ملأ النهى إعجابا
لينال بالذكر الكريم ثوابا
فقدت فتاها القانت الأوابا
طوت البنوك دفاتراً وحسابا
وهديل ساجعة غدا تنعابا
طوت الفلاة تحدِّث الأعرابا
مَنْ كان نيلاً دافقاً منسابا
كانت قصائده إليك حجابا
غضبان يملأ راحتيه ترابا
بل كان صنديداً وكان مهابا
ويردُّ للعِرض السليب نقابا
وأزاح عنها كيد مَنْ قد عابا
أحييتَها لِـتُطوِّر الآدابا
وعفا وأصبح لا يروم سِـبابا
يجزيك ربك رحمة وثوابا
من غير سؤل تفتح الأبوابا
ويوفِّق الإخوان والأحبابا
في سلك سمان الهدى من طابا
مَنْ كان غيثاً هاطلاً صبَّابا
مه الأغواثَ والأفرادَ والأقطابا
وأفض عليه من النعيم شرابا
وتولَّه عبد إليك أنابا
نرجو الإله الواحد الوهابا
يلقى به الإسعاد والإنجابا
فمصابه قد أورث الأوصابا
خير البرية مَنْ رقى الأسبابا
واللهُ لم يضرب عليه حجابا
للناظرين وفي الأشعة غابا
أو يانعاً قد أثمر الأعنابا
خطب لعمري للنفوس أصابا
 

 

خطب لعمري للنفوس أصابا
رزء جليل لا يفيد تصبُّر
عن حسرة وتأوُّهٍ وتندُّمٍ
كيف التصبر والركائب أظعنت
وربوع أنس قد خلت ومجالس
وحمائم الروض البهيج تناوحت
ورياح أكمام الورود تبدلت
وروائع الأدب الرفيع تناثرت
كيف التصبر والجفون تقرحت

يا ليت شعري والحوادث جمة
يا دهر مالك مفجعي ومروعي
وأصابني فيمن أروم وأبتغي
قمر تلألأ في سماء ربوعنا
من أعظم الصيد الأباة مكانةً
متورع ومهذب ومؤدب
سل عنه سوطاً ذا صدى في همة
سل عنه كأساً خمرها صمدية
وبروق وصل أومضت لمتيم
وهدير طبل للسماء معانق
وغرام ليلى في الحشا متوقد
ليلاي يا ليلاي ما أنا صابر
أسفي عليه وما يفيد تأسفي
فقد لعمري حزنه متجدد
تبكي فتى تخذ المكارم حلية
موسوعة في علمه وخلاقه
وأزاح كيد الناقمين وحقدهم
يستأسدون ويعلنون حروبهم
قتلوا النفوس وأعميت أبصارهم
وابتز قول المرجفين ورأيهم
ملأوا البقاع جهالة وحماقة
حسبوا الشريعة جبَّةً وعباءة
ماذا يفيد إذا القلوب تحطمت
فأبان باطلهم وكان مظفراً
لله يدعو مخلصاً في قوة
كان المعين لكل مَن هو طارق
كان الصدوق لما يقول ولا يرى
شهدت له بالفضل كل حميدة
في الله رب الناس كان عطاؤه
متهلل طلق المحيا مشرق
فالمسك ينفح من أريج سلامه
سبحانك اللهم أمرك نافذ
والمرء ما عاش الحياة مودع
ما مات مَنْ في الله كان جلاده
ما مات ركن الدين قرة عينه
ما مات مَنْ في الناس كان مقدَّراً
ويزود عن نهج الطريق وأهله
نظم القصيد بديعه وغريبه
مدح النبي الهاشمي محمداً
ومديح أحمد للنفوس مروِّحٌ
يجلى الصدا والران عند سماعه
أهل السلوك على الطريق أجلهم
عن سبحة اللالوب حدث ناظماً
مهيوبة الأقوام أوضح سرها
والشعر أعذبه رقيق سامق
زار الأُبَــيِّض ماكثاً في أهله
متنقِّلاً بين الربوع مذكِّراً
متحدِّثاً ومبيِّناً ومفصِّلاً
ملأ البلاد شروقها وغروبها
وأحبَّه في الله كل مقرَّبٍ
واليوم ينعاه (الأبيِّضُ) في أسىً
خرجوا جميعاً في مواكب حسرة
يتلون ذكر الله في قرآنه
وبكته رايات المسيد وطبله
وعلى المنابر حسرة وكآبة
وجديد بانٍ ماؤه متكدِّرٌ
والعيس يحدوها الأسى في حسرة
ذهب الذي بهر الأنام بعلمه
يا بقعة أم درمان اندبي شاعراً
مِنْ بعد ما كان ابن عمٍّ ناقماً
ورماك بالبهتان لا متهيِّباً
حتى أتى السمان يشهر سيفه
وأعادها بعد الممات عزيزة
هذي لعمري نهضة أدبية
فبنى ابنُ عمك ما أردتَ بناءه
سمان يا سند الطريق وركنه
وتفوز بالخيرات في جناته
ويعمّ بالبركات كل موحّدٍ
في منهج الحق القويم صراطه
والطيب الغوث الشهير إمامنا
قطب وغوث فاق في أيَّا
والطف بذا الجيلي واشدد أزره
واحفظه من شر الزمان ومكره
فهو التقي سماحةً ولطافةً
أمناً وإكراماً وتوفيقاً له
وأنله صبراً في المصاب ورحمةً
ثم الصلاة على النبي محمدٍ
جاز الطباق مكلِّماً للإلهه
والآل والأصحاب ما نجم بدا
أو ما النسيم سرى فحرَّك ساكناً
أو قال ذو الأحزان عند رثائه

 

 رجوع  رجوع