نوفمبر 112011
 

 

(التيّار) تلج مسيد الشيخ الجيلي الشيخ عبد المحمود :

أنا رئيس جمهورية طابت.. وفي عنقي بيعة كالدستور

 

 

 

 

 

دخلنا طابت الشيخ عبد المحمود ليلاً عبر الطريق الزراعي القادم من الحصاحيصا، وهي مدينة عادية بها سوق وتحاصرها ترعتان تنتهي الأعمال الرسمية عند الظهيرة تقريباً وفي العاشرة مساءً تنام المدينة فظهرت لنا النجوم تحدد لنا ملامح طابت الصوفية وكان المسيد نائماً.. ولكن على طريقته أيضاً.. ثمة نساء يجهزن موائد الغداء والنوم هنا كما اتفق.. في الأرض.. أو الحصير.. أو الرمل.. وبعد نهار المحبة حصدوا السلام بالنكات البسيطة نكاية في الدنيا والتي بظنهم قد طلقوها أبداً فانتشر ذلك الفلاح… وكان استقبالي رسمياً

 

وعلى طريقتهم الموقرة حددوا لي كل شيء، فزمن الشيخ محدد وغالٍ فقابلني ليقول حمداً لله على السلامة كان مرهقاً.. بسيطاً.. وعادياً.. ولكن لا مفر الهيبة والنور.. فبسملتُ ودخلت مناخ السجادة السمانية.. أكد أنه رئيس لجمهورية طابت.. لا يأبه بالدنيا ويساهم بكل إمكانياته لأجل استقرار هذه البلد الأمين.. وتحدث بصراحة أكثر عن السلفيين وإشكالية التطرف.. ولماذا بقيت الصوفية عبر القرون هي الجسر المناسب لردم أي هوة اختلاف بين الناس والعالمين.. وأجاب بقناعاته بامتنانٍ مطروحٍ بدعابة.. كادت أن تكسر صمت حاجز (الفقرا) أن لا نتعدى حدود الخطاب مع الشيخ ولكننا تعمدنا الجرأة.. وسألته هل تبيع نظارتك فضحك بإباء وشموخ.. فإلى حوار الصفاء.. • حدثنا أولاً عن الجيلي الشباب.. والأحلام.. بعيدًا عن السجادة؟! أنا الجيلي الشيخ عبد المحمود، نشأت مثل أي شاب في ذلك الزمان، درست بطابت وحنتوب وجامعة الخرطوم. • بماذا كنت تحلم تحديدًا؟ نحنا حياتنا مرتبطة بالدين والدعوة وبدأت بالخلوة مثل كل أبناء جيلي، وأقدارنا كلها موجودة في التصوف.. هذا العالم الكبير والذي خضناه منذ الطفولة.. وهاهي الأربعون.. ونحن ملتزمون في طريق الرُجعى إلى الله. • ثم دخلت جامعة الخرطوم فمتى كان ذلك؟ عام 1971م.. أيام الأساتذة عبد الله الطيب وعون الشريف قاسم. • وتخرجت لتعانق أحلامك مثل أي شاب أليس كذلك؟ نعم، وعملت بتلفزيون السودان وقدمت برنامج (ألحان الصفا).. ثم تحولت للشؤون الدينية وانتهى بي المطاف للسجادة منذ العام 1973م. • هل تفاجأت بالخلافة وأنت خريج جامعة الخرطوم تبحث عن حياة أخرى ربما مختلفة تماماً عما أنت فيه حالياً؟ أبدًا تربيتنا في المسيد بطابت تكفلت بإعدادنا للخلافة من حيث لا نعلم. وطابت رتبتنا وهيأتنا رغبة ومعاني ومعارف، ولعله من المفهوم أن أبشام قضى (50) عاماً في الخلافة. • حدثنا عن أولى لحظات انتقال الحفيان؟ كنا في دار الشفاء بالثورة أمدرمان وفي ليلة انتقاله أخبرناه بأنه مصاب بنزلة معوية، (أداويها كيف) وكان يعرف مآلات الأمور ويمتحننا بأسئلة عادية. فأخبره شقيقي الأكبر (المتوفى) السماني: نديك فايتمين، فرد الحفيان (وإن لم ينفع؟) نقول (نديك كدا).. فيرد (وإن لم ينفع؟).. فانتقلنا به الى مستشفى أمدرمان، وكنا في طريقنا لدكتور عبدالحميد صالح بدار الشفاء، وكان رأيي أن نغشى زميلاً لي ونشوف الحاصل شنو، وهناك سلم روحه بتشهد مسموع وواضح. • وهكذا بدأ صراع السلطة على الخلافة؟ أبداً لأنو الشيخ الحفيان أوصى أخينا الأكبر السماني، وذكر لبعض (الفقرا) وكتب في مؤلفاته (ابني الوارث) باسمي، وكان يقصد الخلافة، وبالفعل توضأ السماني وأخذ الطريق مني وألبسوني عباءة الخلافة. • ولكنكم 7 أبناء فكيف ينتهي الصراع بهذه السهولة؟ سلوك وبيعة السماني حسمت أمر الخلافة بقوة. • ما نعلمه أنك تدبرت الأمر مع بعض المحتجين؟ أنا كنت أُكرم آبائي وأعطيهم قدرهم، وأمر الخلافة محروس بأخلاق عالية لمعاني السلطة في التصوف.. نحن نعطي كل ذي حق حقه، لأننا أهل حقوق ومرة أخرى تنازل.. وبيعة السماني حسمت كل شيء مبكراً. • ومن ثم جلس خريج آداب جامعة الخرطوم على فروة السمانية خليفة وشيخ طريقة.. كيف بدأ الأمر متصلاً؟ أخبرني الفقرا بأنني سأبدأ من الصفر.. ويجب أن أنسى الشهادات الجامعية، فعلم التصوف علم مفتوح ناتج من التقوى والعمل الصالح. • هنالك مغالطة عميقة حول نشأة ظاهرة التصوف!!.. ويبدو أن الصوفية برواية أخرى (هي) محاولة تطبيق دولة مدينة الرسول (ص) في هذه العصور؟ يقول ابن خلدون في (العبر وديوان المبتدأ والخبر) إن هذا العلم من العلوم الشرعية (التصوف) وأصله عند سلف الأمة وكبار الصحابة هو العكوف الى العبادة والإعراض عن الدنيا.. وفي القرن الثاني الهجري تحول الزهد لمفهوم التصوف، وكان الإمام البصري من أوائل أئمتهم بنزعته الروحية.. يرفدها بعلم رباني سامٍ لمعارف السلوك العالي على عكس الصور الشكلية للعبادة. • نعود لبداياتك.. هل بدأت بالفعل من الصفر؟ نعم.. بدأت من الصفر.. لعله من المعلوم أن (علوم طابت) بلغت من المؤلفات الرفيعة (85) مؤلفاً، انظر للوصية طُبعت ثماني مرات بالعربية ومرتين بالإنجليزية، وانظر لـ(نظرات في التصوف) مرجع يتيم وكافٍ وإجالة الفكر ومؤلفات في الفقه والتوحيد والنحو والحديث والتراجم، وكلها موسوعة علمية بمعاني متفردة وأنا لم أكن وحدي إنما هي الاستعانة. • عندما مرض شقيقك الأكبر الشيخ السماني.. لماذا ذهبت به لموسكو وأمامك الرياض والقاهرة والدوحة؟ السماني رفض أن يأخذ (كِلية) من أي واحد.. وذهبنا لموسكو بدعوة من أخينا الطيب السماني بالسفارة السودانية، وتقدم العلم، وباستعداده إعطاء (كِلية) مجانية أبرز الخيار بعد تعنت السماني. • ثم حصلت الوفاة بأرض شيوعية؟ نعم، وكان تقرير الطبيب حصول (انهيار) وأن هذا الشيخ لن يعيش أكثر من (12) ساعة، عندها تحزمنا أنا والسماني نقرأ الأوراد والقرآن، فجاءت زوجته فأخبرناها أننا (نذكر الله في بلد الغفلة).. فاطمأنت وعادت لمكانها، فحضرته الوفاة ونام كالأصحاء، وقال لي أنا أخوك الأكبر وأنت تعرفني، أنا لست من يُلقن الشهادة، فتشهد ونام كالأطفال سعيداً ومحبوراً آمناً بإذن الله. • وحينما عدت كنت في سلم الطائرة مبتسماً.. فكيف تبتسم وأنت عائد بجثمان السماني ولن تكلمه إلى الأبد؟ كيف يكون الحزن لمن يقول في سكرات الموت (مرحباً بالله ورسوله والآباء) ثم يعددهم.. وفي سيرته ما يطمئننا لأن أمرنا ماشي لطريق الحق ونحنا ما شفنا عليه فساداً أبداً ولا انحرافاً عن السجادة أبداً. • جئت بعد الحف
يان.. أليس هذا وحده يخيف خريج جامعة الخرطوم؟ الحفيان ظاهرة مرت على الناس منهم من تداركها ومنهم من لم يتدارك، وكان منذ طفولته في المسيد ومع الذاكرين وفي الخلوة مع الحفظة.. كانوا يعطونه حلوى عشان يرجع لأمه في البيت من المسيد، انظر عكس الصورة المعتادة. • وكيف تدير المسيد.. هذه الحارة المزدحمة بالناس؟ دائماً نسير على نهج الوالد والجدود ووجدناهم لا يهتمون كثيراً بالمال – كثر أو قل – وأربعون عاماً بدون ميزانية ولا حساب. • ربما أنت وارث ولكم أملاك.. هذا هو المنطق؟ حينما حضرت الوفاة والانتقال لأبونا الحفيان.. أخبرنا أنا والسماني بأن الخزنة فاضية. • وإذا لم تكن لديك موارد.. فمن أين تصرف على الطلاب والفقرا وكيف يأكل كل هذا الزحام حظه ورزقه من الطعام والشراب؟ المرحوم الطيب محمد الطيب قال لي نفس الاستغراب، فأخبرته بالحاصل وقال حينها (يعني مدورة براها). • على الأقل هنالك تدبير وتنظيم لإدارة روح المسألة.. أليس كذلك؟ بالضرورة هذا يحصل، فمن حولي أخوان ومريدون ومعارف معنيون بإكمال هذا العمل، وهم دورات من الصالحين كل يؤدي مهمته، فتكتمل المسألة ودوري أنا يقتصر في المراقبة. • تقصد المراقبة العرفانية وبعيون الأجداد؟ في وصية الحفيان ذكر وقال (فإني أرى أن المبتدأ الذي تركتُه لا يماثله خبرٌ.. تركتُ فيكم الله خليفة عليكم يسدد خطاكم يأخذ لكم من بحر المياه المسجور.. تركتُ فيكم كتاب الله وسنة رسوله. • دخلنا إذن المقامات الرفيعة فكيف يكون السؤال بافتراض اقتراح وأنه نصف الإجابة؟ المقامات لا تبلغ إلا بالاستقامة والعمل الصالح والإحسان لنفسك والعباد.. • هل أنتم أهل شريعة تهتمون بالظاهر؟ وإن لم نكن نحن فمن يكون؟ • إذن اذكر لنا صيغة البيعة السمانية؟ اسمعها بإذن مفتوحة وعقل يقظ: (رضيت بالله رباً و بالإسلام ديناً وسيدنا محمد نبياً رسولاً وبالقران إماماً وبالكعبة قبلة وبالشيخ الجيلي شيخاً ومرشداً ودليلاً وخبيراً، وبالفقرا إخواناً، ليّ ما لهم وعليّ ما عليهم. الطاعة تجمعنا والمعصية تفرقنا أقر بالطاعة قدر الاستطاعة). • هذه ليست بيعة بل دستور؟ هي بيعة بلغة الدستور. • أليس في عنقكم أية بيعة أخرى؟ نحن ندعم التوجهات الإسلامية ونحن أهل محبة وتسامح، سلطتنا مختلفة واحتياجنا من متاع الدنيا قليل.. وهكذا أنا هنا رئيس جمهورية طابت. • بمناسبة (رئيس جمهورية) أنتم فقدتم الناطق الرسمي لكم بالخرطوم برحيل الشيخ عبد الجبار المبارك.. هل هذا صحيح؟ عبد الجبار المبارك هو الظاهرة الثانية بعد الحفيان، لأنه استطاع استقبال ما يملى من كتابات الفتوح ومؤلفات الحفيان، ولا زالت هذه المعاني الكبيرة تنير طريقنا حتى صار الإناء هو لون الماء، وعبد الجبار على يد الحفيان تربية خاصة وتزوج بنت الحفيان الكبرى، وكنا أنا والسماني مشغولين بالدراسة العلمية، جئنا فوجدناه عالماً. • لذلك كان رحيله صعباً ربما لم تجد من يخلفه في دوره؟ رحيله أحدث فراغاً، ولكن أخي محمد سرور وآخرين معه يلازمون الكتب، وهو يحضّر الآن في علم الحديث. • الصوفية بحماسهم التعبدي لا يتواجدون بالقوة ذاتها في صفوف الجهاد في سبيل الله؟ • اختار المشايخ الجهاد في سبيل الله ليصلوا لمقام الإحسان في طريق الرُجعى إلى الله.. ولعل من ضمن مرجعيتهم الطريقة السمانية. • وقفتم أمام أنصار السنة باختلافكم المشهود دون إحراز أي تقدم.. فأين قيمة التسامح؟ • لا خلاف كبير يمكن تصوره إذا أخذ العاقل الرشيد تدبر الموضوع، ومعظم ما يحصل عبارة عن تنابز ومهاترات، فنحن أنصار سنة وأهل توحيد. • بعد كل هذا العمر من الاختلاف ماذا تتوقع أن يحصل لهذه العلاقة في النظر للدين؟ الرسول (ص) قضى 12 عاماً يربي الناس ليسيروا على الجادة، ولم يدخل بهم غزوة إلا بعد إعداد عميق حين صارت أرواحهم وصفاتهم تتقارب مع صفات الملكوت، ومن ثم نزلت الملائكة تقاتل معهم في بدر. • ومن يحتاج لتربية؟ الاختلاف القائم هو (صراع مفاهيم) وليس في الأصول ولا في الآيات أو الأحاديث، ولكي أفهم من أخي لابد أن أتوحد معه نفسياً وروحياً بقدر معقول، وهذا موجود في نظرات في التصوف الإسلامي، وأي قدر من الشرح والتحليل يفيد في دعم الحقيقة ويجعلك متسامحاً أكثر مع الآخر بعيدًا عن التنابز بالحكم على الناس كفراً وشركاً. • هل أنت مستعد لإجراء مناظرة مع السلفيين؟ من وقت قريب كان معي وفد من علماء التصوف طالبوني بإجراء مناظرة في التلفزيون مع جماعة أنصار السنة، ليقف الناس على الحق، وقلت لهم ما عندي مانع. • أيهما أنفع للناس البخرات والمحاية أم تدريس الناس علوم الدين والمعرفة بالله؟ اُنظر لهذه الآية (إذا مرضت فهو يشفين) والدكتور نفسه معالج وليس شافياً.. والشيخ معالج والذي يكتب الشفاء هو الله وحده، لازم يرسخ هذا في ذهن أي شخص يأتينا للمسيد. • هل أنتم الفرقة الناجية؟ الصوفية فرقة قائمة على القرآن والسنة، ونحن مأمورون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما نعمل به. • لماذا تميزت مشيخة طابت عن غيرها بالتأليف حوالي 85 مولفاً؟ طارق الحق يجد الحق ويهتدي به متى ما كان صادقاً. • أنت شيخ صوفي فكيف تذهب لدار الوهابية بهذه (الماهية)؟ نمشي للسعودية مثل غيرنا لأداء المناسك ولا نرتب لأمر آخر.. وفي الواقع أننا نجد كل الاحترام والتقدير من السعوديين. • ألا يطلبون علاجاً من حين لآخر؟ كثير.. كثير.. كثير.. وبفضل الله يشفون، ولا نطلب منهم أي مراجعة فيما يعتقدون. • لماذا تطلب من الفقرا والمريدين التكتم على الكرامات؟ لأن الكرامة أمر خاص بين العبد وربه، وهذا سبب إخفاء أهل ا

5,194 زيارة
 الكاتب الساعة 7:27 مساءً

  3 رد to “صحيفة التيار .. تحاور الشيخ الجيلي الحفيان”

  1. avatar

    انا اعتقد ان الصوفية هم وراء كل مصيبة في السودان

  2. عندي سؤال يا اخواني ، وارجو ان ترشدوني للصواب ان اخطات ،
    هل هناك بيعة لشخص _مهما علت عمامته_ بعد بيعة رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم؟؟!!!!!!!!!!!!

  3. نشيد بهذا اللقاء المفيد والذي يظهر فيه جليا شجاعة السائل , وتواضع الشيخ ونكران ذاته . وحكمته الظاهره .

 أضف تعليقك

مطلوب

مطلوب


*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>