يوليو 062015
 

الشاطر  ( بين الذكي والخبيث )

الكلمة العربية في عراكها اليومي في الحياة , وفي تعامل الأجيال المتعاقبة معها , في كل توجهاتهم ومعطياتهم  –  هذه الكلمة المعجمية  – انتابها قدر كبير من التحوير , والتبديل , والاختزال والابتسار .. والتغيير .

الميزة الأولى للكلمة العربية أنها حمالة أوجه وتأويلات فيما بين ( الحقيقة والمجاز)
ولا شك  أن المساحة الزمنية الواسعة الممتدة من غابر أزمان اللغة العربية الأم وحتى يومنا هذا , استطاعت الكلمة العربية أن تستوعبها بكل توجهاتها وتقلباتها ضمن المسافة المعجمية للكلمة العربية الممتدة ما بين ( الحقيقة والمجاز) ..

ونقول هنا : إن ما يبدو لنا انه معنى مغايرا تماماً لما وُضِعَتْ له الكلمة , فانه –إن دققنا فيه وتفحصناه جيدا  – نجد أن وشيجة ما , ورابطة ما تربط هذا المعنى الجديد المْسَتحْدَثِ للكلمة , بمعناها المعجمي الأول الذي وضعت من أجله . وهذه الوشيجة قد تكون ضعيفة واهنة , وهذا الرابط قد يكون خيط عنكبوت بين المعنى الجديد والمعنى القديم .

وبناء عليه , فاني لا أحسب بحال أن الجديد قد انبتَّ عن قديمه ..

أسوق هذا القول , لأني وأنت ونحن جميعاً , نجد أو نلاحظ أن بعض الكلمات اليوم قد أخذت معنى جديداً مغايرا لما وضعت له .

هذا نوع . ونوع آخر من الكلمات  نجده قد شُحِنَ معنى إضافياً , وبعض آخر من الكلمات قد قُلِّصَتْ مجموعة معانيه المعجمية , واخْتُصِرَتْ في معنى واحد .

إذن دعونا نسوق أمثلة لبعض الكلمات , تعطينا شيئا من هذه الأبعاد التي نتحدث حولها ..

(كلمة  الشاطر )  معناها المعجمي يقول : انه الشخص الذي أعيا أهله خبثاً و دهاءاً ومكراً , حَوَّلها الاستخدام الآن إلى الشخص الذكي اللماح .. وكم يحلو لنا أن نصف بها أبناءنا الأذكياء المتفوقين , ونصف بها أصحاب المقدرة المميزة في حسن التصرف ..

في الشكل العام نستطيع القول : أن الكلمة أخذت معنى مغايراً لما وُضِعَتْ له . لكنها في حال التدقيق والتقصي في المسافة الطويلة الممتدة مابين ( الحقيقة  ………….. والمجاز )

يمكن أن نجد ما يسند هذا المعنى المسْتَحْدَث الأخير . أو ما يوافقه , أو يؤيده , ولو بطرف خفي خجول .. نلمحه كالسراب ..

اذن, دعونا نقرأ معنى ( شاطر) في بعض ما نجد من قواميس اللغة .

يقول لسان العرب ص 315  – 316 :

((شَطَرَ عن أهله شُطُوراً , وشُطُورة –وشَطَارة : إذا نزح عنهم وتركهم مراغما أو مخالفا , وأعياهم خبثاً .. شَطَر , و شَطُر .

والشاطر مأخوذ منه . وأراهـ مولَّدا .

قال أبو اسحق : قول الناس ( فلان شاطر ) معناه انه أخذ في نحو غير الاستواء .

الشطير الغريب ..

لا تدعني فيهم شطيراً

إني إذاً أَهْلِكَ أو أطيرا )) .

(( وكان الشاطر في العصر العباسي يطلق على أهل البطالة والفساد )) كما يقول الشيخ المحقق أحمد بن إبراهيم الغزاوي .

مختار الصحاح يقول : (( الشاطر : الذي أعيا أهله خبثا )) ص 337.

المعجم الوجيز يقول ..(( الخبيث الفاجر .. والفَهِمُ المتصرف .. شطر الرجل على قومه : أعيا قومه شراً وخبثا )) . ص 343 ..

أما الدكتور عون الشريف قاسم في كتابه قاموس اللهجة العامية في السودان فيقول :

( شطر  – شطارة  : اتصف بالذكاء والدهاء والخباثه ) ص  401

إذن , المعنى العام على حسب مجموع هذه التعريفات يذهب إلى أن الشاطر : هو الشخص الخبيث , المتمرد , الذي يسلك سبيلا غير سوي ..

ونجد من بين هذه التعريفات أن ( مجمع اللغة العربية ) قد أجاز استخدام الكلمة
( الشاطر) للشخص الذكي , ذلك بدليل قول المعجم الوجيز ( … و الفَهِم المتصرف )

إذن نقول:,

ما الذي لمحه علماء اللغة  في ثنايا هذه التعريفات ليصبح الشاطر : هو الفَهِم المتصرف ) .. ؟

ومشتقات الكلمة ذاتها تعطينا معنى القطع , والجزء والطرف .

إذ نقول : شَطَرَ الشئَ  نصفين : قطعه , و شَطْرُ  الشئ نصفه .

و شَطْر  بيت الشعر : نصفه ..

ولماذا اختفى المعنى الكلي للكلمة , ليرقد بعيدا بعيدا في ثنايا المعاجم اللغوية , ولم يعد في الذاكرة الشعبية منه شئ .. ؟

هل هناك علاقة بين الشخص الذكي اللماح المميز , وذلك الداهية كثير العناد والخبث .. ؟

في أيامنا هذه نسمع كثيراً عن ( غسيل الأموال ) الخبيثة ,  فهل سبق أن أُجْرِيَتْ عملية غسيل لهذه الكلمة ( شاطر ) .. بغرض تنظيفها مما علق بها ( من خبث ومكر ودهاء ) ؟! أم أن ذلك

(الشاطر ) بأوزاره تلك قد رُوِّضَ , حتى أصبحنا نُرَبِّتُ على كتفيه , تلطفاً واستحساناً , لتفوقه .. ؟! لعل شيئاً من ذلك قد حدث .. الله أعلم .

تجدني دائماً أحب أن أسمع الرأي الآخر لافيد .. فكلنا طلاب علم ..

 

السماني كمال الدين

355 زيارة

 أضف تعليقك

مطلوب

مطلوب


*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>