يناير 192015
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة الأولى …

البخيــت علي أبو الضــــو

( أنا اسمي البخيت شاعراً أديب من قمت )

السماني كمال الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

البخيت علي أبو الضو : واحد من رموز القصيدة الشعبية العامية في طابت .. له إبداعه فيها في إطار خصوصيتها مضمونا وكلمة وجملة ..
وهذه الخصوصية أطرتها البيئة العامة في طابت آنئذ ، من حيث التكوينات الاجتماعية والجغرافية ، وبيئة العمل المتاحة ، والبيئة الدينية المتصوفة ..
البخيت علي أبو الضو هو واحد في منظومة جيل شعري متكامل ، ظهروا جميعهم في فترة زمنية متقاربة ، وعاشوا جميعهم في بيئة واحدة ..
الناظر لمجموع شعرهم في عمومه يحسبه (قصيدة واحدة) ، ذلك للتقارب الكبير بينهم في الموضوع والكلمة ، واستخدام (الجملة) في رمزيتها ودوالّها ..
من هذا الجيل (البخيت علي أبو الضو – علي حجاج احمد حسن – سليمان موسى – احمد القلع) هذا الجيل عاش في الفترة من 1890م إلى 1980م تقريباً . هذا مع التفاوت في الأعمار ..
هذا الجيل في مجموعه عرف بطلاقة اللسان ، ووضوح البيان ، وحضور البديهة .. في حدود (عاميتهم) كانوا فصحاء بلغاء .. ينسجون القصيدة والأبيات ارتجالاً في مجالسهم ..
هؤلاء كانوا أصحاب زراعة ورعي وضرع .. وبعضهم يعمل في البناء وأعمال اليومية .. والأعمال اليومية المعتادة في البلدة آنئذ ..
تلك هي البيئة الحياتية العامة في ذلك الوقت .. ما كان يشغل الناس شيء غير كسب رزقهم اليومي ، وسعيهم الجاد فيه .. وهكذا كانوا يقضون سحابة نهارهم .. حياتهم كانت بسيطة بساطة أنفسهم ..
الحاج البخيت علي أبو الضو أبو العول :
كان من أصحاب الزراعة والماشية والمال .. سعة الرزق عنده ، وسعة نفسه ، وفصاحة لسانه ، وحسن منطقه ، كل هذه العوامل مجتمعة جعلت منه واجهة ووجاهة في البلدة .. وجعلت منه مقصداً يقصد إليه .. ومن ديوانه ملتقى ..
كان له حضوره الاجتماعي الكبير .. وفاعليته السياسية الملحوظة .. ونظمه الشعري المتميز في إطار الكلمة العامية جملة ونسقاً ووضوح بيان ومقصد ..
المدح والرثاء ، في المجتمع والبيئة ، في النسيب والغزل ، في النفس وعتابها ، في المساجلات والاخوانيات ، في الدنيا والمآل والمعاد ..
وهذا ما نفصله في هذه الأوراق :
ولد الحاج البخيت علي أبو الضو في طابت الشيخ عبد المحمود في العام 1894م وتوفي في العام 1983م .. رحمه الله تعالى بواسع رحمته وأحسن إليه ..
الزراعة : وهي عمود الحياة عند القوم ، نجد الشاعر حاج البخيت علي يدوّن في شعره يومياته في الزراعة وهمومه وجهده ، وما يبذل من عمل فيها ..
المزارع يبدأ عمله في الزراعة بتهيئة الأرض وإعدادها للزراعة وأول ما يواجه المزارع (حش القش) وتنظيف الأرض .. ويظل (القش) العدو اللدود للمزارع ..
هذه مناظرة بين (البخيت والقش) .. سجل فيها مجاهداته وأتعابه مع القش :
الليلة التّبر أصبح منوّر وشار
الحنتور مع الريحان كبار وصغار
إتلمو الجميع قالولي عايزين تار
ليه تهلك جنينّا يا غدار
هذه صورة ذهنية عامة يحتج فيها القش على حشه وقطعه وإهلاك جنينه .. ولهذا تجمعوا جميعاً – كل أنواع القش – وتظاهروا على البخيت بضرورة أخذ ثأرهم منه :
إتلموا الجميع قالولي عايزين تار
ولماذا التار ، ما هي الحيثيةالقانونية للأخذ بالتار :
ليش تهلك جنينا يا غدار
صورة ذهنية رائعة يرسمها الشاعر للقش .. وكلمة (يا غدار) فيها ظلال إيحائية تبين وتوضح مدى (الألم النفسي) عند القش الناتج عن قتل جنينه غدراً وعدواناً من هذا المزارع (البخيت) ..
الشاعر هنا جسّد لنا القش وجعل منه إنساناً أو مخلوقاً شاخصاً أمامك يتحدث ويتكلم ويتألم .. يجمع حيثيات الدعوى ، ويطالب بحقه بناء على هذه الحيثيات ..
الآن حاج البخيت ود علي في قفص الاتهام ، في دعوى قضائية ساخنة من القش يرميه فيها بالغدر وقتل جنينه ثم يطلب الثأر منه ..
ترى ..!!
ما البخيت فاعل ؟؟!! ترى .. ما مرافعته ، ودفعه ودفاعه ؟!!
يا سفيه .. أنا ديمة في استحضار
مجند لي دفاع الوطن .. والدار
وبدأ حاج البخيت مرافعته :
لا شك ، هذا استهلال للمرافعة شديد عنيف ، مستفز ..!!
لقد رمى خصمه بـ (السفه) .. – يا سفيه – .
وهذا خرق واضح بيّن لنظم التقاضي والمرافعات ..
(يا سفيه) .. كلمة نارية عنيفة .. رمى بها خصمه القش بل قذفه بها قذفاً في وجهه .. وأين ؟!! في قاعة المحكمة !! وأمام من ؟!! أمام الهيئة القضائية !!!
من هنا يتبيّن لنا أن البخيت خصم عنيد ..
لقد شد البخيت إليه أنظار الحضور في قاعة المحكمة ..
إذن ، لنستمع ما البخيت قائل :
يا سفيه .. أنا ديمة في استحضار
مجند لي دفاع الوطن .. والدار
مزارع .. وحافل خيلي ماها كدار
هبك سابقات يحاكن الطيار
سيفي مكتلو من طارت أم بشّار
أحسن ليك تفوت الساعة ستة نهار
روح الوحيل .. وعفانه .. واضرب طار
إذن لنقرأ ثانية وثالثة هذه الإنذارات التي أطلقها البخيت ..
يا سفيه أنا ديمة في استحضار
أن ترمي خصمك بما يكره سماعه – في جمع من الناس – هذه سمة جدالية نفسية الغرض منها أن تحدث خرقاً في جداره النفسي حتى يكون آيلاً للسقوط وتريه من نفسك ما لا يتوقع :
.. أنا ديمة في استحضار
أنا لست بالغر الغافل الذي لا يدري من أين يأتيه مصرعه ..
مجند لدفاع الوطن .. والدار
معلوم أن المجند مدرب تدريباً قتالياً عالياً .. وهو معد للدفاع عن الوطن .. والدفاع عن الدار ضمناً .. وضمناً أيضاً ، هو حريص على زراعته يحميها من كل ما يقلل إنتاجها .. والقش هو عدو المزارع الاول .. والحفاظ على الإنتاج هو حفاظ على ثروة الوطن ..
والقراءة (التفكيكية) لهذا البيت :
مجند لدفاع الوطن .. والدار
تعلمنا أن حاج البخيت مدرك بعظم مسئوليته الفردية – ضمن مجموعة المزارعين – وهذه المسئولية العظيمة متمثلة في الوعي الكامل بإنجاح زراعته ، لتنتج محصولاً أكبر .. والزراعة واحدة من اكبر دعائم الاقتصاد الوطني ..
ولهذا ، فالمزارع الذي يكون واعياً ومدركاً لأهمية زراعته وزيادة إنتاجها يكون تبعاً (مجنداً) للدفاع عن (الوطن والدار) ..
بهذا البيت (مجند لي دفاع الوطن والدار) يكون (حاج البخيت ود علي) قد قدم قراءة عالية المستوى في فهم (وظيفة) المزارع ..
إذن ، نواصل مع حاج البخيت في مرافعته تلك :
مزارع .. وحافل خيلي ماها كدار
يواصل حاج البخيت في أسلوب الترهيب النفسي لخصمه القش .. وفي ذات الوقت يعلمنا بجاهزيته ، في صيغة رمزية يستحضر فيها خيله الحافلة القوية ..
وتأتي رمزية الخيل الحافلة القوية ، تأتي متناغمة مع (مجند لي دفاع الوطن والدار) .. وفي جانبها الآخر تأتي متناغمة مع نفسية الشاعر البخيت ود علي الذي عرف بالفروسية ومتعلقاتها من قوة نفسية وجسدية ..
ولإكمال صورة خيله يصفها بقوله :
هبك سابقات يحاكن الطيار
وبعد مجموعة من الصور المذهلة المكملة لرسم اللوحة العامة الحاكية لاستحضاره وجاهزيته وجده ومثابرته ، يخاطب (الحاج البخيت ود علي) القش في قوة تهديدية منذرة ومتوعدة :
أحسن ليك تفوت .. الساعة ستة نهار
روح الوحيل .. وعفانا واضرب طار
وكما بدأ حاج البخيت مرافعته بترهيب نفسي للقش – يا سفيه – !! يختم مرافعته ودفاعه بنذير قوي متصاعد اللهجة ..
أحسن ليك تفوت .. الساعة ستة نهار
إلى أين : روح الوحيل .. وعفانه واضرب طار
بالواضح يقول للقش : لا مكان لك هنا .. فأنا مزارع هميم .. وهو لا يطرده من (حواشته) فقط ، بل من الترعة كلها .. ليذهب إلى ترعتي (الوحيل وعفانا) ..
ليس هذا فحسب بل (واضرب طار) ,, إبك على خيبتك أيها (القش) .
(طردو وشو يلعن قفاه) كما يقولون ..
إذن .. ما هو موقف القش ..؟؟!
لقد ندم (ندامة الكسعي) ،
أنا يا ليت منك خترت
ويصور القش حالته النفسية :
ريشات قلبي طارن من ما نترت
حاج البخيت ود علي له قصائد عدة في الزراعة والمزارعين .. وفيها من الصور والخيال ما يستحق الوقوف عنده .. وتميز وأجاد في قصائده الحوارية مع الأشياء ..
(القش – الترس – الموسم الزراعي – المفتش – المزارع) ..
وكلها قصائد تستبطن واقع الحال ، جاءت في ثوب من الخيال الخصب ، يضع الأشياء بين يديك ، تتحدث وتجادل وتحاور ، بل يكسب الأشياء صورة حركية انفعالية في فرحها وغضبها .. كل هذا من خصوبة الخيال وتجذره عند الشاعر الحاج البخيت ود علي . وأنا في هذه الأسطر لا اكتب دراسة أكاديمية متعمقة ، وإنما أسجل ملامح عامة أدوّن بها الفكرة العامة لهذا الشاعر ..
وفي موضوع الزراعة ذاته نقرأ قصيدته للعنونة (مناظرة بين المفتش والمزارع) ، القصيدة في ثلاث صفحات ، وتستحق القراءة ..
في مطلع القصيدة يتحدث (المزارع) عن همته العالية واجتهاده في زراعته :
أنا اسمي المزارع المن مسكت مجرَّب
ساير في العمل في الحارة ما بتهرَّب
برفع في الجداول بحزامي المكرَّب
ماسك البوقة بقتل في دبيب وعقرَّب
حشينا القطن أب ستة وابعشرين
نضافة البروس يوم المطر والطين
الضحى والضهر تلقانا مجتهدين
هذا جهد المزارع وهمته العالية في زراعته ، مؤملاً في إنتاج وفير ، وعينه على :
أخبار الصرف البيها متباشرين
ولما كان المزارع قد أدى ما عليه على الوجه الأكمل ، فقد جاء دور (المفتش) ليسوق له البشرى بـ (الصرف) الذي ينتظره المزارع طويلاً يقول المفتش :
بشراك يا مزارع الحالة دي بتتبدل
ان شاء الله عن قريب الصرف بتعدل
تروح السوق . وترضي الكتيفا مهدل
الليلة الصرف ، أو الليلة صرف المزارعين جملة تجدها متداولة في القرية في هذا اليوم (يوم الصرف) ولها وقعها النفسي الجميل عند المزارع وأسرته وأهله .. ولها وقعها الاقتصادي الملموس في السوق .. ذلك لأن الصرف يحرك السوق – كما يقولون – وتدور فيه حركة شرائية نشطة ينتظرها الجميع ..
وتبدأ هذه الحركة التجارية النشطة ابتداء من المكتب الزراعي وذلك لأن يوم الصرف هذا يتحول المكتب الزراعي إلى مجمع تجاري كبير ، فيه كل ما يحتاجه الشاري .. (اللحوم – الخضروات – الملابس) وغيرها .. والتجار يأتون بدفاترهم المسجل فيها ديون المزارعين من محالهم التجارية .. ليدفع كل واحد ما عليه من دين ، أو يدفع جزءاً منه ..
والمزارع – في يوم الصرف هذا – يملأ (الخرج) من كل ما يستطيع شراءه .. ويرجع إلى أهله مسروراً مبتهجاً ..
هذا في المكتب (يوم الصرف) ..
وعندما يرجع يدخل السوق لشراء حاجة أهله من الملابس والأحذية ، وحاجة البيت اليومية من غذاء وطعام ..
وهذا ما عبّر عنه الشاعر بقوله على لسان المفتش :
تروح السوق وترضي الكتيفا مهدّل
وفي هذا السياق يقول المزارع في آخر القصيدة هذه :
قطعنا الساكوبيس عراقي للخفافه
غسلنا وكوينا لبسنا وبقينا قيافه
يقول : في أول ثمانية تجي الفلوس بالكيس
والخاتيها ما ظنيتو يضحى عريس
معلوم عند المزارعين أن (الصرف والدّرت) موسمان للأفراح .. (الختان – الزواج – بناء البيت) ذلك لتوفر المال عندهم ..
هذه القصيدة تحدثت بتفصيل ودقة عن مراحل الزراعة المتتالية ، زراعة القطن خاصة .. (تهيئة الأرض وتنظيفها – الزراعة – الحش – اللقيط – القلع) إلى آخر هذا التوالي ..
منها مثلاً قوله :
القطن اتردم نوَّارتو مرقت برة
سايق فرعو شوف اللوزة ما منصرة
موسم لقيط القطن تحدث أزمة في (اللقاط) الأيدي العاملة في لقيط القطن .. لهذا تجد المزارع أو اللجنة الزراعية يبذلون جهدهم في توفير الأيدي العاملة من المناطق الأخرى ، أو ما يسمونهم (عرب اللقيط) ..
وهؤلاء لأنهم آتون من مناطق أخرى (بعيدة أو قريبة) فإنهم في حاجة لإعداد أماكن تؤويهم ، وإعداد مأكلهم ومشربهم ..
يصور لنا الشاعر هذا المشهد تصويراً دقيقاً :
حل زمن اللقيط ضاق الأمر بالمره
كايسين للعرب لمن نضوق المره
وانفرج الأمر .. وجا اللقاط :
نزلنا العرب والقصب مجّان
البيت كيلة كيلة والقهوة في الدكان
القاعد عزب خبرنا ليه مكان
كل واحد جنيه من غيرو مافي ضمان
لقد هيأ المزارع لـ (العرب اللقاطين) كل أسباب الراحة من سكن واكل وشرب .. وقد أدّوا ما عليهم .. وتم لقيط القطن على أحسن وجه .. وفرح المزارع بهذا الإنتاج الوفير .. وعبّئ هذا القطن ، و(كُبس) في الشوالات ، وحمل بالجمال لمحطة التسليم حيث يتم وزنه هناك (بالقنطار) .. ثم يحمل هذا المحصول الوفير في (الترماج) لينقله إل (المحلج) .. ثم ما بعده من مراحل أخرى .. يضعنا الشاعر في هذه الصورة بقوله :
رئيس الطُّلبة بي عتالتو في الميزان
ثم الوزن ، وحدد لكل مزارع وزن إنتاجه من القطن بالقنطار ..
ثم جاء الترماج وحمِّل بشوالات القطن ، وفتح له الشريط ، شريط سكة الحديد ، وسار في مساره :
فتحولو المسار ونفَّض الدخان
ويظل المزارع معلقا قلبه مع محصوله الذي سار به الترماج لهذا يقول :
مصحوبة …..
أي مصحوبة بالسلامة … هذا الإنتاج هو أمل حياته . متمنياً أن يكون السعر وفيراً عالياً :
مصحوبة .. إن شاء الله السعر مليان
وهنا يتنفس المزارع الصعداء لما بذل من جهد جهيد .. وحُق له أن يستريح قليلاً :
القطن انطلق جات العرب بمراحه
عايزين سبعة يوم في الحلة ناخد راحه
هذه الفترة تعرف بـ (موسم الطلق) حيث يأتي أصحاب المواشي بمواشيهم لترعى في الحواشات ..
ومن بعد ذلك تأتي مرحلة (القليع) :
الليلة القلع كل زول يشيل كجامه
الأبنا السغار كناسه والنجامه
والطورية للأنكوج كمان هجامه
والعايز يستريح بكتر العجامه
هذا قول المفتش ويرد عليه المزارع :
قلعنا القطن واشتغلنا نضافه
مرحنا الأرض من قِروِده ولصافه
ولكي تكتمل الصورة عن الزراعة (أفراحها وأتراحها) – لا بد من قراءة قصيدته عن (الزراعة والترس) فهي تعطي صورة صادقة عن نفسية المزارع عندما يكون الحصاد ضعيفاً والإنتاج قليلاً ..
يقول في هذه القصيدة :
السنة يابسة وخاتيه ندايه
الباحت يخلي الدار فضايه
متأسف كتير أنا ما وجدت منايا
ويقول :
أُف يا ترس السجم البقيت لي عله
مما قعد فوقك عيشتي عيشة ذله
مرسل لي جواب لي ناساً كرام وأجله
داير لي ترس في أم عود صعيد الحله

حاج البخيت الاتحادي القاطع
الانتماء للحزب – في السودان – مثل الانتماء للقبيلة تماماً .. كما يعتز المنتمي بقبيلته ويفتخر بها ، وتظل عنوان انتمائه ومرجعية رأيه ، كذلك الانتماء للحزب .. المنتمي للحزب يرفع راية حزبه في كل المحافل ، ويظل يدافع عن حزبه بشراسة إذا ما رُمي بنقيصة أو مسبة .
وقد يصل في دفعه إلى درجة لا يقبلها العقل ولا المنطق السوي .. وهذه داهية من دواهي الأحزاب ..
الحاج البخيت علي أبو الضو واحد من رموز الحزب الاتحادي الديمقراطي ، يحبه ويعشقه ويبذل من أجله كل غال ونفيس ..
(ديوان) البخيت ود علي كان مركزية التجمع للمنتمين للحزب .. تعقد فيه الاجتماعات واللقاءات ..
وفوق هذا كان البخيت ود علي لسان الحزب المدافع عنه (شعراً ونثراً) ..
باسم الاتحاد .. رب العباد سمّانا
استهلال قوي (رب العباد سمانا) – هكذا يرى حاج البخيت ، وهل لأحد كلمة بعد هذا الاستصفاء – اسم جاء من السماء – ونحن لا نحاسب الناس على ما يوحي به فرط المحبة ..
الذي يهمنا هنا أن حاج البخيت عمد إلى خرس الألسن بهذا (الاصطفاء) .. يعني (كل زول يلزم حدو) ..
ولما استهل بـ (رب العباد سمانا) أدلف مباشرة للتحدي :
ومين بقدر اتناطا إرقى سمانا
دعونا نقف عند هذه الكلمات المختارة ..
(اتناطى – إرقى – سمانا) ..
(اتناطى) يبذل الجهد بعد الجهد بعد الجهد ، ليصل إلى الشيء وما هو ببالغه ، إذ ليس بمقدوره أن يصل إلى هذا الشيء ابتداءً لقصر قامته ، أو قصور همته ، والأخيرة هذه هي المقصودة هنا ..
(إرقى) الصعود إلى أعلى بهمة عالية ونَفَسٍ غير منقطع .. وهذه الكلمة (إرقى) مشحونة بمعنى اكثر دقة ، وهي أن المرتقى إليه تتقطع دونه الأنفاس ، إذ لا سبيل إلى الوصول إليه ، بل حتى لا سبيل إلى مداناته ..
وتأتي كلمة (سمانا) لتزيد الأمر استحالة .. إذ يرى حاج البخيت أن حزبه في سماء دونه شهبٌ ترمي بشرر كالقصر ..
ويعدد حاج البخيت ميزات حزبه المنتمي إليه ، الذي (باسم الاتحاد رب العباد سمانا) حسب رأيه .. ويقول :
إبليس اللعين بحلاوتو ما سمّانا
ولما كان (إبليس اللعين) لم يستطع بكل خبثه ودهائه أن يقذف فيهم سمه القاضي بالركون لحلاوة الدنيا ، وكنزها من غير وجه حق ، لما كان الأمر كذلك ، فإنه يحق له القول :
ما بنسأل يمين في زول ولا همانا
هذا من غير شك قمة الاعتزاز بالحزب وبالنفس ، وبقوة الانتماء ومتانته ..
ثم يدخل الشاعر في سرد أحداث ومواقف مرت بالسودان ، ليظهر من خلالها مواقف حزبه المشرفة ، بقيادة زعيمه (إسماعيل الأزهري) ، ويظهر أيضاً من خلالها المواقف المخزية لأحد الأحزاب الأخرى – هذا حسب رأي الشاعر – :
زمن الانجليز وكتين يمصوا دمانا
غير الأزهري مين القدر أمانا
نزّل بيرقين رفع العلم بامانة
في باندونق هناك وسط الأمم لمانا
هذه أحداث تاريخية في تاريخ السودان من قبل الاستقلال أثناء الحكم (الانجليزي – المصري) للسودان ، ومجاهدات أهل السودان بقيادة زعمائه في الحركة الاستقلالية .. ثم أثناء استقلال السودان من المستعمر البريطاني وإنزال علم المستعمرين وذكر مؤتمر (باندونق) وهو المؤتمر الذي عقد في أندونيسيا للدول المحايدة المحاربة للاستعمار ..
ثم يدخل الشاعر في حادث (حريق العملة) :
نستنكر حريق العملة .. إبقى فدانا
والمنهوبة .. نحن وإنتو في ميدانا
***
الحكم الجديد من اللحم كدّانا
الله يغيرن الغيروا مبدانا
ديكتاتوري من الورق حتانا
يبس عودنا بي شوك القتات غتانا
في الأبيات السابقة أشار إلى حكم حزب الأمة ، ثم حكم العسكر في انقلاب إبراهيم عبود ..
ثم يرجع ثانية ليتحدث عن حزب الأمة ، وفي مفرداته إسقاطات سالبة ..
قول لي ود دخيل بالله قوم أختانا
لملم عدتك ومعاك ناس بتانا
بكرة الانتخابات جايانا – خيرها أتانا
ما بنسوي زول شمينا فيهو نتانة
ويختم حاج البخيت هذه القصيدة بإثبات أدبه وشاعريته ، وأنه شاعر منذ نشأته .. وأنه صاحب مدح رزين متزن وهو صادق فيه ، لا مدح مصلحة يباع ويشترى .. ويفتخر بانتمائه القبلي (جموعي الأصل) ويفتخر بانتمائه الحزبي (الاتحادي الديمقراطي) ، وأن الزعيم إسماعيل الأزهري مكان احترامه وتقديره وتعظيمه (للأزهري عظمت) ..
أنا اسمي البخيت شاعراً أديب من قمت
لي مدحي الرزين بالمرة قط ما سمت
جموعي الأصل للأزهري عظمت
مدحتو ومستحق لي مدحي ما اتوهمت
حاج البخيت ود علي له قصيدة كاملة في مدح الزعيم إسماعيل الأزهري ، نثبثها هنا بتمامها :
مو تمساح بحر فوق الرمالة بحوم
مو فيل الشجر الكسر الهشوم
مو جاموس خلا برعى الغباش وبنوم
طابق الهيجه صام تسعة وتلاتين يوم
تم الأربعين من دربو أزحف قوم
إن صادمتو في دارك بصيح اليوم

***

دا بطل الجهاد الأزهري المعلوم
أصفى من الدهب خاتي النقص واللوم
رفع علم الوطن فوق تلاتة نجوم
أعلى صرحهم من غارة وهجوم
عمل الغام شهب للسارقين رجوم
حسن عوض الله في ام درمان ويحي في الخرطوم
***
أب درباً خريف إن قام نوى لقدوم
راح دار الغرب الجو بقى مسموم
شوف ضهرك ملان الزاحمك ما بنوم
فليحيا الزعيم الأزهري المكروم

هوى النفس
تلك هي النفس الإنسانية ، تنزع إلى الإقلاع والتوبة ، ويبقى (إبليس) من وراء الستار يزين بضاعته ، وير وج تجارته ، ويجمل دنياه .. لعله يجد فيها موضع انكسار يوسع فيه مداخله .. أو يصطدم بجدار فولاذي من قوة العزم ، وصدق النية فينحسر خاسئاً ..
حاج البخيت علي بشاعريته الرقيقة يرسم لنا صورة من صور الصراع بين النفس وهواها ، أو قل : النفس وحبائل الشيطان وشراكه ..
قدُر ما أقول اتوب إبليس يقول واحسري
قال لي كان تتوب خيبة رجاي وكسري
الحل العهد قوسيب جزاير تسري
اتمايح متى ما جاه ريحاً مصري
(قدر ما اقول اتوب) جملة إيحائية تبين بوضوح أن هذه النفس قد سلكت سبيل التوبة وجربته كثيراً ، مراراً وتكراراً .. ولكن إبليس اللعين يترصده ، ويعترض طريقه ..
لدرجة أن (إبليس يقول واحسري) ..
ولدرجة أن (إبليس يقول واناري) ..
هذه الكلمات (واحسري – واناري) لا تعني أن إبليس قد فرط في هذه النفس التي أوقعها في شراكه ، وإنما تعني أن إبليس لا يمكن أن يفرط فيها بعد ما بذل فيها من عناء ، ولأنها أصبحت تحتل عنده وجنوده مركزاً متقدماً وهي التي (تنقرش طارو) .. (فكيف يفرط في البنقرش طارو) ..
لهذا : قال لي كان تتوب خيبة رجاي وكسري
وأيضاً : قال لي كان تتوب مين البنقرش طاري
هذا إبليس وغواياته ، لكن ما بال النفس يحوم في مساربها ما يحوم من نار الغرام والحب ، وكيف لهذه النفس التخلص من تلك اللوحة البصرية الماثلة بين عينيه ، وإن أغمض جفنيه دونها فهي متملكة عليها كل كيانها ..
من نار الدّغش كيفن خلاصي وبصري
إن أصبحت وان أمسيت غراما يسري
يا نار الغرام شيشك علي لا تعصري
اتعوذت بالإخلاص ونون والعصر

تلك هي انفعالات هذه النفس .. وجد لا يستطيع مقاومته ، ووجدان لا يستطيع صده ..
يا معنّف علي أسألني من نوساري
صرخة مدوية يطلقها من داخله في وجه هؤلاء (المعنفين) المكثرين الحديث عنه .. (يا ناس أرحموني) ألا يكفيكم ما أنا فيه من ضعف وهزال .. كان الأجدر أن (تسألوني عن نوساري) ؟ّ!!
من بعد الهجوع كجيت شريكي وجاري
السبب المهلكني ومحرق داري
حرف تمانية وستة واحد – وخد يا قاري
إنها (حواء) سبب هلاكي ومحرقة داري ..
ولتقرأ القصيدة كاملة ، لتستبين الصورة كاملة .. فقد اجتزأت منها ملامحها العامة ..

شعر المساجلات والمجاراة
هذا النوع من الشعر ، هو الذي يتبارى في قوله ونظمه شاعران أو أكثر ..
حيث يبدأ أحدهم بقول مقطع شعري ، ويجاريه الآخر أو الآخرون ارتجالاً وبديهة ..
وهذا النوع من الشعر هو ابن لحظته ، يأتي هكذا بداهة من غير إعداد مسبق له ، ومن غير مراجعة ولا تنميق ..
وهذا النوع من الشعر يظهر فيه التمكن من ناحية الشعر .. والذكاء الحاد ي المجاوبة في ذات اللحظة ..
في هذه الأسطر أدوّن أنموذجاً لشعر البديهة الحاضرة لمجموعة من شعراء العامية في طابت ، وجميعهم أبناء جيل واحد .. وهم :
البخيت علي أبو الضو – حجاج احمد حسن كبورة – احمد القلع كبورة – سليمان موسى محمد الحاج – الشيخ هاشم الشيخ عبد المحمود – علي احمد حجاج – محمد بابكر – ود دحالة ..
هذه مجاراة بين البخيت ود علي وحجاج احمد حسن .. بدأها بقوله :
يوم الأحد حدى الحمارو مسدد
ولا بهجس ولا جاري الحداي لي برقد
دا الخلاني أهواك وفوق سهمك دوام متردد
إذن الشعر غزلي في المحبوبة .. وهنا تطول الأنفاس وتمتد ..
يجاريه البخيت ارتجالاً ::
يوم الاتنين هاج بي الغرام وشفاني
هاج بي الغرام وسوطو فوقي قلاني
جلدك قرمصيص يا خليفة الرماني
يجمع بي لماك السيد السماني
يجاريه حجاج :
يوم التلاتا انطبقن علي همين
وبي هم البريدو والدراهم وين
ود الريل أبو خدين
يجمع بلماك جد الحسن وحسين
يجاريه البخيت :
يوم الأربعا اسباب هلاكي وموتي
ده العينه الجابوها ناس كرجوس مع البنوتي
ده السبب الخلا دوام النمه باقيه مقوتي
هذه المقاطع الأربعة الأولى ، بينت حالهم من (الأحد إلى الأربعاء) .. ولا أظن أن هذه الأيام مقصودة لذاتها لكن هكذا جاءت ..
ونكمل هذه الغراميات لجمالها :
وهذه مجاراة أخرى بين البخيت ود علي وسليمان ود موسى ، أجتزئ منها هذه الأبيات ، ويحسن قراءتها كاملة في مصدرها ، وتستحق القراءة ..
يقول البخيت ود علي :
بسم الله بشرح بابن
كلمات جداد أنا جني بسلابن
شالن قلبي في كوكابن
يا ليت الغرام يوم اللّصابني أصابِن
الراوي كان اتوفى من أسبابِن
يا سليمان أخوي اندهش عند بابن
يرد عليه سليمان ود موسى :
كلمات من أخوي جنّي قلت حبابن
يا ماش ، بي عجل ردّهن للجابن
خلوات الدغش أنا ديمة من طلابن
عندي الصب ونوره وبرضي في ديدابن
وشعر المساجلات والمجاراة لا يقف عند الغزل والعشق ، أو المفاخرة والفروسية بل نجده في الطرائف والملح والشأن العام ..
وأدوّن هنا طرفاً من مجاراة طويلة النفس بين الشيخ هاشم الشيخ عبد المحمود وبين الحاج البخيت علي أبو الضو ، وموضوعها (ملاح الخدره) ..
بدأ القول الشيخ هاشم بقوله :
متحوي النبي والحضرة
من أكل البغيضة الخدره
في الماعون تجيك منحدره
في بطن الجوف بتعمل هدره
تمسك في القلب والصدره
يا عالم بحالنا وأدرى
أبعد من جوارنا الخدره
***
عملت لي قبضة وليّ
وصحت وقلت يا من ليّ
جيب عطرون واسرع ليّ
من الحال العلي عليّ
أسعفني ولو بقليّه
ورد عليه البخيت ود علي قائلاً :

متحوي النبي المكي
أكل الخدره الببكي
يا باري النعم ليك بشكي
بحق رسولك المكي
ركي على اللحم ركي
خدره تجينا بالفلكي
***
يعجبك لونا زيا لورده
أصبح زوله واقف وتره
تور بره الوقع في متره
والقصيدة طويلة تراجع في مكانها ..

 

التالي .. حجاج احمد حسن كبوره …

260 زيارة
 الكاتب الساعة 9:57 صباحًا

 أضف تعليقك

مطلوب

مطلوب


*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>